ــ[67]ــ
المتأخِّر منهما بنى على أنه محدث إذا جهل تأريخهما أو جهل تأريخ الوضوء ، وأمّا إذا جهل تأريخ الحدث وعلم تأريخ الوضوء بنى على بقائه((1))، ولا يجري استصحاب الحدث حينئذ حتى يعارضـه ، لعدم اتصال الشكّ باليقـين به حتى يحكم ببقـائه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشك من جهة النوم أو البول أو غيرهما من الأحداث .
وموثقة بكير : «إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ ، وإياك أن تحدث وضوءاً أبداً حتى تستيقن أنك قد أحدثت» (2) حيث نهت عن الوضوء مع الشك في الحدث وأنه ما دام لم يتيقن بالحدث لا يجوز له الوضوء ، اللّهمّ إلاّ أن يتوضأ بنيّة التجديد لأنه خارج عن الموثقة بدليله ، وبه تحمل الموثقة على الوضوء الواجب ، لأنّ الإتيان به بنيّة الوجوب مع عدم العلم بالحدث تشريع محرم .
وصحيحة عبدالرحمن «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت ، فقال (عليه السلام) : ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح»(3) نعم هي تختص بالشك من جهة الريح ، وإنما يتعدى عنها إلى غيرها بالقطع بعدم الفرق . وعلى الجملة إذا شك في الحدث يبني على طهارته السابقة حتى يقطع بحدثه ، وهذا مما لا إشكال فيه هذا .
وقد نقل صاحب الحدائق (قدس سره) في هذه المسألة قولين وتفصيلين آخرين .
تفصيلان نقلهما في الحدائق (4) :
أحدهما: ما نسبه إلى بعض المحقِّقين من المتأخِّرين من اختصاص جريان الاستصحاب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بل بنى على الحـدث ، فيجب عليه تحصيل الطـهارة لما هو مشروط بها كما في الصـورتين الاُوليين .
(2) الوسائل 1 : 247 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 7 .
(3) الوسائل 1 : 246 / أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 5 .
(4) الحدائق 2 : 398 ـ 399 .
ــ[68]ــ
والأمر في صورة جهلهما أو جهل تأريخ الوضوء ((1)) وإن كان كذلك إلاّ أن مقتضى شرطية الوضوء وجوب إحرازه ، ولكن الأحوط الوضوء في هذه الصورة أيضاً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بما إذا لم يظن بالخلاف وأنه لا يجري معه ، وهذه الدعوى مبنيّة على حمل الشك في روايات الاستصحاب على معناه المصطلح عليه ، أعني تساوي الطرفين المقابل للظن والوهم واليقين كما هو اصطلاح الفلاسفة ، وعليه يختص الاستصحاب بصورة الشك المصطلح عليه وتعم صورة الظن بالوفاق ، لأنه إذا جرى عند الشك يجري عند الظن ببقاء الحالة السابقة بطريق أولى ، فلا يجري مع الظن بالخلاف .
إلاّ أنه ممّا لا وجه له ، وذلك لأن الشك ـ مضافاً إلى أنه في اللغة بمعنى عدم العلم وخلاف اليقين ظناً كان أو غيره ، لأن تخصيصه بما يقابل الظن والوهم واليقين اصطلاح جديد ـ بمعنى خلاف اليقين في أخبار الاستصحاب ، وذلك لقرينتين في نفس صحيحة زرارة :
الاُولى : قوله (عليه السلام) : «لا ، حتى يستيقن أنه قد نام ، ويجيء من ذلك أمر بين ، وإلاّ فإنه على يقين من وضوئه» إلخ وفي ذيل هذه الصحيحة «وإنما تنقضه بيقين آخر» حيث حكم ببقاء الوضوء حتى يتيقن بالنوم وما دام لم يتيقن به فهو محكوم بالطّهارة ، سواء ظنّ بالنوم أم شكّ فيه .
والثانية : قول السائل : «فإن حرك على جنبه شيء ولم يعلم به ، قال : لا» لأنّ التحريك في جنبه مع عدم علمه به ولو لم يكن ملازماً دائماً مع الظن بالنوم فلا أقل من أنه يلازمه كثيراً ، ولا أقل من أن استلزامه الظن بالنوم ليس من الأفراد النادرة ومع كونه كذلك يكون ترك تفصيل الإمام (عليه السلام) في الجواب دليلاً على جريان استصحاب الطّهارة مطلقاً ، سواء ظنّ بالنوم أم شكّ فيه. وهاتان القرينتان تدلاّن على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يبعد أن يكون هذا من سهو القلم .
ــ[69]ــ
أنّ الشك المأخوذ في روايات الاستصحاب إنما هو بمعنى عدم اليقين على وفق معناه لغة هذا .
مضافاً إلى إطلاق الموثقة والصحيحة الأخيرة حيث لم يستفصلا في الحكم بعدم جواز الوضوء بين الظنّ بالحدث وبين الشك فيه ، بل الأخيرة صريحة في جريان الاستصحاب مع الظن بالحدث ، إلاّ أنها مختصة بخصوص الشك في الطّهارة من جهة الريح ، وإنما نتعدى عنها إلى غيرها بالقطع بعدم الفرق ، فما نسب إلى بعض المحققين من المتأخرين مما لا دليل عليه .
وثانيهما : ما حكاه عن شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين من أن المكلّف تختلف حالاته ببعده عن زمان اليقين وقربه منه ، لأنه أوّلاً يظنّ ببقاء الحالة السابقة ثمّ بمرور الزمان يضعف ظنّه هذا حتى يتبدل بالشك ، بل إلى الظن بالخلاف والاعتبار بالظن بالوفاق وببقاء الحالة السابقة وإن ضعف (1) ، ثمّ نقل عن العلاّمة عدم الفرق في الاستصحاب بين الظنّ بالبقاء وعدمه وردّه .
وهذا الذي ذهب إليه شيخنا البهائي مما لا دليل عليه أصلاً ، بل هو أضعف من التفصيل الأوّل ، لأن له وجهاً لا محالة وإن أبطلناه كما مر ، وأما هذا التفصيل فهو مما لا وجه لو بوجه ، وذلك لأن الشك مأخوذ في روايات الاستصحاب بلا ريب ، وهو إما بمعنى الشك المصطلح عليه وإما بمعنى خلاف اليقين ، وعلى أي حال يشمل الشك المصطلح عليه قطعاً ، وكيف يمكن تخصيصه بالظن بالبقاء فقط هذا . مضافاً إلى إطلاق الموثقة وصحيحة عبدالرحمن المتقدِّمتين ، لأنهما مطلقتان ولم تقيدا الاستصحاب إلاّ باليقين بالخلاف فتشملان صورة الظن بالبقاء والشك والظن بالخلاف والارتفاع ، هذا كله فيما إذا شك في الحدث بعد العلم بالطّهارة .
ومنه يظهر الحال في عكسه وهو ما إذا شك في الطهارة بعد علمه بالحدث ، لأنه يبني على بقاء حدثه ، وذلك لأنه وإن لم يكن منصوصاً كما في الصورة الاُولى إلاّ أنا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حبل المتين : 37 .
|