ــ[190]ــ
بحث الأوامر
الكلام في الأوامر ، ويقع في مقامين :
الأول : في مادّة الأمر .
الثاني : في هيئة افعل وما يضاهيها .
أمّا المقام الأول : فالبحث يقع عنه من جهات :
الجهة الاُولى : في معنى الأمر بحسب وضعه لغة واصطلاحاً .
قد يقال : بوضع مادّة الأمر لغة لمعان متعدّدة على سبيل الاشتراك اللفظي .
وقد يقال : بوضعها كذلك لمعنيين : هما الطلب ، ومفهوم الشيء .
وربما قيل : بوضعها للقدر الجامع بينهما على سبيل الاشتراك المعنوي .
أمّا شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) فقد ذهب إلى القول الأخير ، مدّعياً أنّ المادّة وضعت بازاء معنى خاصّ ، وهو الواقعة التي لها أهمية ، وجميع المعاني ترجع إليها .
وغير خفي أنّ الأمر كما يستعمل فيما له الأهمية ، كذلك يستعمل فيما ليس له الأهمية ، ويتّصف بها فيقال : أمر لا أهمية له . وإذا كان معنى الأهمية دخيلا في الموضوع له ، لزم حين الاتّصاف بالواقعة التي ليست لها أهمية أن يتّصف الشيء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 131 .
ــ[191]ــ
بضدّه أو بنقيضه ، وهو محال .
كما وأنّه لا يكون مشتركاً معنوياً ، لأنّ اللازم من وضعه للمعنى الجامع حصول الاشتقاقات منه بأي معنى فرضناه ، مع أنّه بمعنى الطلب قابل للاشتقاق منه أمّا بمعنى الشيء فليس بقابل لذلك ، والاختلاف بينهما دليل على عدم وجود القدر المشترك بين المعاني المتعدّدة .
والصحيح أن يقال بالوجه الثاني ، وهو وضع المادّة لمعنيين : الطلب بالمعنى الخاص ، ومفهوم الشيء ، على سبيل الاشتراك اللفظي .
وبيانه : أنّ مادّة الأمر وضعت بحسب اللغة بازاء الطلب المتعلّق بالغير فيقال : أمره بكذا ، أي طلب ذلك منه . أمّا الطلب المتعلّق بفعل نفسه ـ كقولنا : طلب العلم ، أو طلب الضالّة ـ فلا يصدق عليه الأمر . وعلى هذا فالنسبة بينهما هي العموم المطلق .
كما أنّها وضعت بازاء معنى ثان هو مفهوم الشيء ، ولكن لا على إطلاقه ، بل إذا كان من الصفات أو الأفعال غير المنتسبة ، أي التي لا يؤخذ فيها جهة الانتساب ، فتكون من قبيل أسماء المصادر .
والأمر بالمعنى الأول قابل لأن تحصل منه جميع الاشتقاقات ، ويجمع على أوامر . أمّا بالمعنى الثاني فليس بقابل للاشتقاقات ، وجمعه على اُمور . والاختلاف بالجمع وبصحّة الاشتقاق في أحدهما دون الآخر دليل على الاشتراك اللفظي ، وأنّ كلمة الأمر موضوعة بوضعين .
وأمّا المعنى الاصطلاحي : فالذي حكاه صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1)هو النقل عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر ، وهو القول المخصوص .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 62 .
ــ[192]ــ
وأشكل عليه : بأنّ الاشتقاقات لا تتأتّى من هذا المعنى ، فإنّه على ذلك يكون من الجوامد ، نظير لفظ الجملة ، والاسم ، والفعل ، والحرف ، وغير ذلك . وعليه فالمعنى الاصطلاحي هو نفس المعنى اللغوي .
تنبيه : ليس لهذا البحث أيّة ثمرة تترتّب عليه في مقامنا ، لأنّ كل ما ورد على لسان الشارع المقدّس ممّا يشتمل على مادّة الأمر فهو معلوم المراد ، وليس فيه ما يشكّ في مدلوله الاستعمالي ليرجع في تحقيقه إلى معرفة الموضوع له .
الجهة الثانية : في اعتبار العلو وعدمه في صدق الأمر .
الظاهر من ارتكاز العرف أنّ الطلب لا يسمّى أمراً إلاّ إذا صدر من العالي ولا يعتبر لديهم فيه الاستعلاء ، فلو صدر الطلب من العالي بلهجة متواضعة سمّي أمراً ، كما أنّ طلب غير العالي وإن كان مستعلياً لا يسمّى أمراً . وإطلاق الأمر عليه بلحاظ الاستعلاء لا يخلو من تجوّز ومسامحة .
الجهة الثالثة : في إفادة الأمر الوجوب .
ادّعى صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) دلالة مادّة الأمر على الوجوب بنحو الحقيقة ، وأنّ استعماله في الندب مجاز .
والصحيح ـ حسبما يأتي إن شاء الله تعالى في هيئة افعل(2)ـ أنّ دلالة لفظ الأمر على الوجوب كدلالة هيئة افعل عليه ، ليست دلالة لفظية ، بل هي من جهة حكم العقل ، وذلك من أجل أنّ مقتضى العبودية والمولوية أن يسعى العبد نحو تحقيق ما أمره به مولاه ، فلو ترك السعي لا لعذر ذمّه العقلاء أجمع . نعم لو نصب المولى قرينة متّصلة أو منفصلة على جواز الترك والترخيص فيه ، جاز للعبد أن يترك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 63 .
(2) في ص218 وما بعدها .
ــ[193]ــ
ذلك .
|