ــ[6]ــ
ومنها : عدم تغيّر الماء ((1)) في أثناء الاستعمال (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العرض من دون معروضه ، كذلك يحتمل أن يكون مستنداً إلى المجاورة ، لأنها ربما تسبب استعداد الشيء للتأثر بآثار مجاوره ، وهذا لا بمعنى انتقال أعراض ذلك النجس إليه حتى يدفع باستحالته ، بل بمعنى تأهل الشيء لأن يعرض عليه مثل ذلك العرض من الابتداء كما عرض على النجس ، وهذا كما إذا جعلنا مقداراً قليلاً من الميتة في حب من الماء فان الماء يكتسب بذلك رائحة الجيفة إذا مضى عليه زمان ، ولا يحتمل أن يكون ذلك مستنداً إلى انتقال أجزاء الجيفة إلى الماء ، حيث إن الجيفة لقلتها لا يمكن أن تنتشر في تلك الكمية من الماء ، فليس ذلك إلاّ من جهة تأهل الماء بالمجاورة لعروض الرائحة عليه من الابتداء ، ويمكن مشاهدة ما ادعيناه بالعيان فيما إذا ألقينا كمية قليلة من اللبن على أكثر منها من الحليب ، لأنها يقلبه لبناً لا محالة من دون أن يكون ذلك مستنداً إلى انتشار الأجزاء اللبنية في الحليب ، فلا وجه له سوى التأهل بالمجاورة .
(1) وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في صور ثلاث :
الاُولى : ما إذا تغيّر الماء بأوصاف عين النجس في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل .
الثانية : الصورة مع حصول التغيّر في غير الغسلة المتعقبة بالطهارة .
الثالثة : ما إذا تغيّر الماء بأوصاف المتنجِّس بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة وغيرها .
أمّا الصورة الاُولى : فلا مناص فيها من اشتراط عدم تغيّر الماء في التطهير به وفاقاً للماتن (قدس سره) ، وذلك لاطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر بأوصاف النجس ولا موجب لرفع اليد عن إطلاقه ، ومع الحكم بتقذره لا يمكن الحكم بطهارة المتنجِّس المغسول به .
وتوضيح ذلك : أن الغسالة غير المتغيرة بالنجس وإن التزمنا فيها بتخصيص أدلة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يشترط عدم تغيره بأوصاف المتنجِّس بالاستعمال ، بل ولا بأوصاف النجس أيضاً في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل .
ــ[7]ــ
انفعال الماء القليل بالملاقاة على جميع الأقوال المذكورة في الغسالة ، حيث إنّا سواء قلنا بطهارتها مطلقاً أم قلنا بنجاستها بالانفصال عن المحل أو قلنا بنجاستها مطلقاً ، غير أن خروج المقدار المتعارف منها مطهّر للأجزاء المتخلفة في المحل نظير الدم المتخلف في الذبيحة ، حيث إن خروج المقدار المتعارف منه بالذبح موجب لطهارة الأجزاء المتخلفة منه في الذبيحة ، لا بدّ من أن نلتزم بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل بالملاقاة إما مطلقاً أو ما دام في المحل أو بعد خروج المقدار المتعارف من الغسالة ، لوضوح أنه لولا ذلك لم يمكن الحكم بطهارة شيء من المتنجسات بالغسل وبه ينسد باب التطهير بالمياه وهو على خلاف الضرورة والاجماع القطعي بين المسلمين . وأما الأدلّة القائمة على نجاسة الماء المتغيّر بأوصاف النجس فلا نرى ملزماً لتخصيصها بوجه وليست هناك ضرورة تدعو إليه ولا تترتب على القول بنجاسة الماء المتغيّر مطلقاً أيّ مفسدة ومعه لا بدّ من الالتزام بعدم حصول الطهارة إلاّ بالماء غير المتغيّر بالنجس . نعم يستلزم ذلك القول بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل وهو مما نلتزمه كما عرفت ، هذا .
وقد يُقال : لا مانع من التزام حصول الطهارة بالماء المتغيّر بالاستعمال دون المتغيّر قبل الغسل به واستعماله ، تمسكاً باطلاقات الأدلّة الآمرة بالغسل كما في صحيحة محمّد ابن مسلم «اغسله في المِركَن مرّتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة» (1) وغيرها ، لأنّ إطلاقها يشمل ما إذا تغيّر الماء بغسله واستعماله ، وبهذا نلتزم بتخصيص ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر وحصول الطهارة بالماء المتغيّر بالاستعمال ، أو أ نّا نتحفّظ بإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر وما دلّ على كفاية الغسل في تطهير المتنجسات ، فنلتزم بزوال النجاسة السابقة الموجودة في المتنجِّس ـ حسب إطلاق ما دلّ على حصول الطهارة بالغسل ـ كما نلتزم بتنجسه ثانياً من جهة ملاقاته الماء المتغيِّر ـ لإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيِّر بالنجس ـ وهاتان دعويان لا يمكن المساعدة على شيء منهما .
أمّا بالاضافة إلى الدعوى المتقدِّمة فلأن النسبة بين إطلاقات ما دلّ على حصول
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 3 : 397 / أبواب النجاسات ب 2 ح 1 .
ــ[8]ــ
الطهارة بالغسل وبين إطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر عموم من وجه ، لأن الاُولى مطلقة من حيث حصول التغيّر بالغسل وعدمه والثاني أعم من حيث استناد التغيّر إلى نفس استعمال الماء أو إلى أمر سابق عليه ، ومع التعارض في مورد الاجتماع ـ وهو الماء المتغيّر بالاستعمال ـ يتساقطان فلا بد من الرجوع إلى أحد أمرين : إما العموم الفوق كما دلّ على عدم جواز الصلاة في الثوب المتنجِّس ، فانّه إرشاد إلى نجاسته ومقتضى تلك الاطلاقات أن النجاسة تبقى في أيّ متنجس إلى الأبد إلاّ أن يطرأ عليه مزيل شرعي كالغسـل بالماء غير المتـغيّر وهذا هو المسـتفاد من قوله (عليه السلام) في موثقة عمار «فاذا علمت فقد قذر» (1) ولا يكفي الغسل بالماء المتغيّر لأجل الشك في مطهريته ومقتضى الاطلاق بقاء النجاسة ما لم يقطع بارتفاعها ، وأما استصحاب النجاسة ـ مع الغض عن الاطلاق ـ فهو يبتني على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام ، وحيث إنّا لا نقول به وقد عرفت تمامية الاطلاقات الفوق فلا مناص من اشتراط عدم انفعال الماء ولو بالاستعمال .
وأما بالاضافة إلى الدعوى الثانية أعني التحفظ على كلا الاطلاقين : فلأن ظاهر ما دلّ على طهارة المتنجِّس بالغسل أن ذلك سبب لحصول الطهارة بالفعل ، والطهارة الفعلية لا تجتمع مع الحكم بنجاسة الماء بغسله من جهة ملاقاته مع الماء المتغيّر وهو نجس ، هذا كله في الصورة الاُولى .
وأمّا الصورة الثانية : وهي ما إذا تغيّر الماء بأوصاف النجس في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل ، فلا نلتزم فيها بالاشتراط فتغيّر الماء حين استعماله كعدمه ، اللّهمّ إلاّ أن يكون هناك إجماع تعبدي على اعتبار عدم تغيّر الماء حتى في الغسلة الاُولى أعني ما لا يتعقبه طهارة المحل ، أو ادعي انصراف أدلة المطهرية عن الغسل بالماء المتغيّر ، إلاّ أن قيام الاجماع التعبدي في المسألة مما لا نظنّه ولا نحتمله ، ودعوى الانصراف لو تمّت فانّما تتم في الغسلة المتعقبة بالطهارة بأن يقال : إنّ ظاهر الغسل المأمور به هو الذي تتعقبه طهارة المحل بالفعل فلا يشمل الغسل غير المتعقب بالطهارة كذلك . وأمّا الغسلة غير المتعقبة بالطهارة كما في محل الكلام فلا معنى لدعوى انصراف
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 3 : 467 / أبواب النجاسات ب 37 ح 4 .
|