(مسألة 420) : تجب الدية على العاقلة في القتل الخطائي كما مرّ ، فإن لم تكن له عاقلة أو عجزت عن الدية اُخذت من مال الجاني (4) ،
ــــــــــــــــــــــــــ (4) وفاقاً للمعروف والمشهور بين الأصحاب ، بل في الغنية دعوى الإجماع على ذلك (2) .
خلافاً لابن إدريس في السرائر ، حيث ادّعى أ نّه في صورة عدم العاقلة أو عجزها فالدية على الإمام دون الجاني(3) .
ـــــــــــــ (2) الغنية 2 : 413 .
(3) السرائر 3 : 335 .
ــ[555]ــ
ولكن لا دليل على ذلك ، والصحيح ما هو المشهور ، والوجه في ذلك أمران :
الأوّل : أ نّه المستفاد من صحيحة محمّد الحلبي المتقدّمة في مسألة أنّ عمد الأعمى خطأ (1) ، فإنّها تدلّ على أنّ الدية في القتل الخطائي تحمل على العاقلة ابتداءً ، فإن لم تكن عاقلة وجبت الدية على الجاني نفسه ، فإنّ الظاهر أنّ الإمام (عليه السلام) طبّق الكبرى على مورد السؤال ، فالحكم حكم كلّي غير مختصّ بمورد الرواية .
نعم ، المذكور في الرواية هو عدم وجود العاقلة دون عجزها . ولكن لا شكّ في اشتراك العجز مع عدم وجود العاقلة في الحكم ، فإنّ المستفاد من الرواية أنّ الدية لا بدّ من أدائها من العاقلة إن أمكن ، وإلاّ فمن الجاني .
الثاني : أنّ ظاهر الآية الكريمة والروايات هو أنّ ذمّة الجاني مشغولة بالدية، غاية الأمر أنّ العاقلة تتحمّل عنه في أدائها ، فيكون بالإضافة إليها تكليفاً محضاً .
أمّا الآية ـ وهي قوله تعالى (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الآية(2) ـ فهي ظاهرة في أنّ الدية ثابتة في ذمّة القاتل وأ نّه المكلف بتأديتها إلى أهل المقتول ، كما أ نّه مكلّف بتحرير الرقبة المؤمنة .
وأمّا الروايات : فمنها ما هو صريح في ذلك ، كصحيحة أبي العبّاس عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : سألته عن الخطأ الذي فيه الدية والكفّارة ، أهو أن يعتمد ضرب رجل ولايعتمد قتله؟ «فقال: نعم» قلت: رمى شاةً فأصاب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في ص 445 ـ 446 .
(2) النساء 4 : 92 .
ــ[556]ــ
إنساناً «قال : ذاك الخطأ الذي لا شكّ فيه ، عليه الدية والكفّارة»(1) .
ومنها : ما هو ظاهر فيه، كصحيحة زرارة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً خطأً في أشهر الحرم «فقال: عليه الدية، وصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم» الحديث(2).
فإنّها ظاهرة في أنّ الدية في القتل الخطائي في مال الجاني وأ نّه مكلّف بها مطلقاً وإن كان القتل خطأً محضاً ، ويؤكّد ذلك أ نّه جعل الدية عليه في سياق جعل الكفّارة عليه، فلو كنّا نحن وظاهر الآية الكريمة والروايتين لم نقل بوجوب إعطاء الدية على العاقلة ، ولكن قد دلّ الدليل على أنّ عاقلة الجاني تتحمّل دية جنايته خطأ، كصحيحة محمّد الحلبي وغيرها من الروايات الدالّة على أنّ العاقلة تتحمّل دية جناية الجاني إذا كانت خطأ ، ولكن لا يدلّ شيء منها على أنّ ذلك وضع .
وما يظهر من بعض الروايات من الوضع ، كرواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال : لا تضمن العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً»(3) .
ورواية السكوني ، عن جعفر (عليه السلام) ، عن أبيه (عليه السلام) «أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : العاقلة لا تضمن عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً» الحديث(4) .
لا يمكن الأخذ به ، لأنّ رواية أبي بصير ضعيفة سنداً بعليّ بن أبي حمزة ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 38 / أبواب القصاص في النفس ب 11 ح 9 .
(2) الوسائل 29 : 204 / أبواب ديات النفس ب 3 ح 4 .
(3) الوسال 29 : 394 / أبواب العاقلة ب 3 ح 1 .
(4) الوسائل 29 : 394 / أبواب العاقلة ب 3 ح 2 .
ــ[557]ــ
وإن لم يكن له مال فهي على الإمام (عليه السلام) (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورواية السكوني ضعيفة من جهة أنّ في طريق الشيخ إلى النوفلي ضعفاً .
فالنتيجة من ذلك : أ نّه لم يثبت كون تحمّل العاقلة الدية في الجناية الخطائي وضعاً ، بل هو تكليف محض . وعليه ، يترتّب أنّ العاقلة إذا أدّت الدية برئت ذمّة الجاني ، وإلاّ فذمّته مشغولة بها . فإذن لا يختصّ كون الدية في مال الجاني بصورة عدم العاقلة له أو عجزها ، بل تعمّ صورة عصيانها وعدم تأديتها خارجاً .
(1) على المشهور شهرة عظيمة .
وتدلّ على ذلك معتبرة أبي عبيدة ، قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن أعمى فقأ عين صحيح «فقال : إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ ، هذا فيه الدية في ماله ، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام ولا يبطل حقّ امرى مسلم»(1) .
وتقريب دلالتها على ثبوت الحكم كما تقدّم ، مضافاً إلى أنّ التعليل فيها شاهد على عدم الاختصاص بموردها .
وبذلك يظهر دلالة معتبرة أبي بصير أيضاً قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمّداً ثمّ هرب القاتل فلم يقدر عليه «قال : إن كان له مال اُخذت الدية من ماله ، وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب ، وإن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام ، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم»(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 29 : 89 / أبواب القصاص في النفس ب 35 ح 1 .
(2) الوسائل 29 : 395 / أبواب العاقلة ب 4 ح 1 .
|