ــ[1]ــ
ــ[2]ــ
القول في خيار التأخير
من اشترى شيئاً ولم يتسلّمه ولا سلّم الثمن، فإن جاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام فهو أحقّ به وإلاّ فللبائع الخيار، وهذا ممّا لا خلاف فيه بينهم .
وإنّما الكلام في مدرك ذلك وهو اُمور منها : الشهرة والاجماعات المدعاة المتعدّدة القائمان على أنّ البائع يتمكّن من فسخ العقد فيما إذا أخّر المشتري تسليم الثمن بأزيد من ثلاثة أيّام .
ومنها : حديث لا ضرر حيث إن صبر البائع ضرر عظيم ، والضرر فيه أشدّ وآكد من الضرر في الغبن ، لأنه من جهات ثلاثة : إحداها صبره عن الثمن وعدم تصرّفه في المبيع لأنه ملك غيره . وثانيها : أنّ تلفه في تلك المدّة عليه ، لأنّ كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه وهو ضرر . وثالثها : أنّه يجب عليه حفظ المبيع في تلك المدّة للمشتري ، وحفظ مال الغير بلا عوض ضرر ، ومقتضى حديث لا ضرر عدم لزوم المعاملة وكون البائع متمكّناً من فسخها .
ومنها : الأخبار الواردة في المقام بلسان « لا بيع له » أو « لا بيع بينهما »(1)هذا .
ويمكن المناقشة في جميع ذلك : أمّا الشهرة والاجماعات فلأنّه لا اعتبار بهما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 18 : 21 / أبواب الخيار ب9 .
ــ[3]ــ
وعدم حجّيتهما .
وأمّا حديث لا ضرر فهو أيضاً لا يقتضي الخيار في المقام ، وذلك لأنّ الضرر لم ينشأ عن لزوم المعاملة حتى نرفعه بالحديث ، وإنّما نشأ من صبره عن الثمن ، ولكنّه لا يوجب ارتفاع اللزوم ، بل بمقتضى الحديث نرفع وجوب الصبر عليه ، فله أن يطالب المشتري بالثمن فإن أبى فيرفع أمره إلى الحاكم وإلاّ فيأخذ بالمثمن من باب التقاصّ ، وليس هذا من الفسخ في شيء إذ ربما يجب عليه ردّ ما زاد عن مقدار الثمن إلى المشتري وربما يطالبه بما نقص عن مقداره ، هذه هي الجهة الاُولى من جهات الضرر .
أمّا الجهة الثانية منها فهي أيضاً كذلك ، أمّا أوّلا : فلأنّ كون تلف المبيع قبل قبضه من مال البائع حكم مبني على الضرر ، وما هذا شأنه لا يرتفع بالحديث ، لأنّه لا يختص بالمقام إذ الأمر كذلك في جميع المعاملات الصحيحة ، وكذا في المقام فيما إذا سلّم إليه الثمن ولم يقبضه بعد .
وأمّا ثانياً : فلأنّ كون التلف من البائع لو كان ضررياً فنرفعه بحديث لا ضرر ونحكم بعدم كون تلفه من البائع ، ولا وجه للحكم بجواز المعاملة حينئذ ، لأنّ الحديث إنّما يرفع ما ينشأ من قبله الضرر لا أمر آخر وهو ظاهر .
ومن ذلك يظهر الجواب عن الضرر من الجهة الثالثة ، وذلك لأنّ الحفظ إذا كان ضررياً على البائع فنرفع وجوبه بالحديث ولا وجه لرفع لزوم المعاملة حينئذ هذا .
ومع الاغماض عمّا ذكرناه وتسليم أنّ الحديث يرفع لزوم المعاملة فمن أين يثبت تقييد ذلك بثلاثة أيام فإنه إذا كان ضررياً في اليوم الأول فلابدّ من أن يرفع لزومها من ذلك الوقت فلا وجه لرفعه بعد الثلاثة . فالاستدلال بحديث لا ضرر ممّا لا وجه له في المقام .
ــ[4]ــ
وأمّا الروايات الواردة فقد استشكلوا فيها من حيث دلالتها ، وذلك لأنّ ظاهرها نفي المعاملة بينهما كما في رواية علي بن يقطين أو نفي البيع للمشتري كما في أكثرها ، ومقتضى ذلك هو البطلان لا جواز المعاملة ورفع اليد عن لزومها ، ولا وجه لطرح ظواهر الأخبار أبداً .
والذي قيل في وجه تأويل الروايات وحملها على نفي اللزوم مع ظهورها في بطلان المعاملة اُمور :
الأول : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) من أنّ الوجه في استفادة نفي اللزوم هو فهم الأصحاب حيث إنّ المشهور فهموا منها نفي اللزوم لا نفي صحّة المعاملة ، وهذا يكشف عن أنّ الروايات ظاهرة في نفي اللزوم ، ولأجل هذا استفاد الأصحاب منها ذلك فإنّهم هم أهل العرف وقد قارنه (قدّس سرّه) بما يظهر منه العلّية حيث قال : وحملة الأخبار ، فإن فهم حملة الأخبار نفي اللزوم أقوى دليل على ظهور الروايات في ذلك ، وإنّما وصلت الأخبار إلينا بواسطة اُولئك الحملة وهم من أهل العرف والعرب العالمين بظواهر الأخبار ، هذا .
ولا يخفى عليك أنّ المشهور إذا استفادوا معنىً من لفظ أو كلام فلا إشكال في كشف ذلك عن ظهوره فيه ، لأنّهم إنّما استفادوه بما هم أهل العرف واللسان ، ولكن هذا غير مسلّم في المقام ، ولا ندري أنّهم استفادوا عدم لزوم المعاملة من ألفاظ الرواية ولعلّهم إنّما استفادوا ذلك من دليل خارجي ولأجل هذا الدليل حملوا الروايات على نفي اللزوم ، مع أنّا لو سألنا آحاد الأصحاب عن ظهورها أجابوا بأنّها ظاهرة في نفي الصحة لا في نفي اللزوم .
الثاني : ما يظهر أيضاً من كلمات شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ فهم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب 5 : 219 ـ 220 .
ــ[5]ــ
الأصحاب لو لم يفد القطع بظهور الروايات في نفي اللزوم فلا أقل من أنّه يوجب الشك في المراد ، وأنّ الأخبار ظاهرة في نفي اللزوم أو في نفي الصحة ، فتكون الروايات مجملة فنرجع إلى استصحاب آثار الملكية بعد ثلاثة أيام ، ولا مانع من استصحاب صحة المعاملة في المقام ، إذ اللزوم ليس فصلا مقوّماً للصحة حتّى لا نثبت الصحة بلا وصف اللزوم ، وإنّما هو والجواز حكمان يطرءان على البيع الصحيح .
ويدفعه : أنّ فهم الأصحاب كما لا يوجب انقلاب ظهور الروايات في نفي الصحة إلى الظهور في نفي اللزوم كما أشرنا إليه في الجواب عن الوجه الأول ، كذلك لا يوجب إجمالها ، إذ لو سألنا آحاد الأصحاب عن ظهورها أجابوا بأنّها ظاهرة في نفي الصحة ، لأنّ « لا » لنفي الجنس والبيع بمعنى المبادلة ولعلّه ظاهر ، فلا وجه معه لاجمال الرواية .
الثالث : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أيضاً : من أنّ تخصيص نفي البيع للمشتري بقوله (عليه السلام) « لا بيع له » أي للمشتري وعدم نفي البيع عن كل منهما قرينة على أنّ المراد منها أنّ المشتري كأنه لم يشتر ، فليس له مطالبة البائع بالمثمن ، وهو معنى جواز المعاملة من طرف البائع دون طرف المشتري ، إذ لو كان مراده (عليه السلام) بطلان المعاملة لما كان لتخصيصه (عليه السلام) نفي البيع بالمشتري وجه .
والجواب عن ذلك أوّلا : أنّ صحيحة علي بن يقطين اشتملت على نفي البيع من كل من البائع والمشتري حيث قال (عليه السلام) « لا بيع بينهما » كما اعترف هو (قدّس سرّه) بذلك .
وثانياً : أنّ وجه تخصيصه (عليه السلام) نفي البيع بالمشتري هو أنّ الروايات إمّا لسؤالها أو كلامه (عليه السلام) ناظرة إلى بيان حكم من اشترى شيئاً ولم يتسلّم المثمن
ــ[6]ــ
ولم يسلّم الثمن ، ومن هنا أجاب (عليه السلام) بأنّه لا بيع له أي للمشتري ، وحيث إنّ البيع هو المبادلة بين المالين وهي يستحيل أن تقوم بواحد ، فنفي المبادلة من المشتري وجعله بمنزلة من لم يشتر أصلا يدلّ بالدلالة الالتزامية على نفيها عن البائع أيضاً .
الرابع : ما ذكره شيخنا الاُستاذ (قدّس سرّه)(1) من أنّ الغرض من هذا الحكم في الأخبار والروايات هو الارفاق للبائع حتى لا يتضرّر من جهات متعدّدة ومقتضى الارفاق في حقّه هو نفي اللزوم لا نفي الصحة ، لأنه ربما يكون على خلاف مصلحة البائع كما إذا تنزّلت القيمة بعد ثلاثة أيام ، هذا .
وفيه : أنه لا دليل على أنّ الحكم في الروايات يدور مدار الارفاق للبائع لاطلاق الأخبار ولا ندري أنه من أين استفاد ذلك منها ، نعم لا بأس بكونه حكمة التشريع ، وأمّا كونه عنواناً للموضوع حتى يدور مداره الحكم فلا ، فليكن المقام نظير بيع الصرف فكما أنّ القبض فيه في المجلس شرط في صحة البيع فكذا نقول في المقام بأن قبض المبيع في الثلاثة شرط في صحة المعاملة ولا يلزم منه خلاف إرفاق للبائع أبداً .
فالانصاف أنه لا وجه لرفع اليد عن ظواهر الأخبار ، فلابدّ من الحكم ببطلان المعاملة فيما إذا باع أو اشترى ولم يقبض المبيع إلى ثلاثة أيام فيكون قبض المبيع إلى ثلاثة أيّام من شرائط صحة المعاملة كما ذهب إليه صاحب الحدائق(2)وتردّد فيه المحقّق الأردبيلي(3) وقوّاه بعض آخر ، ولا وجه لرفع اليد عن الأخبار فإنه لا موجب له ، والأمر يدور بين طرح الأخبار برأسها وبين العمل على ظهورها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منية الطالب 3 : 176 .
(2) الحدائق 19 : 47 .
(3) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 405 ـ 406 .
ــ[7]ــ
وهو بطلان المعاملة فيما إذا أخّر القبض أزيد من ثلاثة أيام ، فما تعجّب به صاحب الحدائق عن العلاّمة (قدّس سرّهما) من أنه مع اعترافه بظهور الروايات في نفي صحة المعاملة اختار صحتها معتمداً على أصالة بقاء صحة العقد وحملها على نفي اللزوم تعجب في محلّه .
والمتحصّل : أنّ الروايات الواردة في المقام تدلّ على بطلان البيع فيما إذا لم يأت المشتري بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام ، وهي من حيث الدلالة ظاهرة ومن حيث السند لا بأس بها ، فلابدّ من أن نأخذ بها ومقتضاها اشتراط صحة البيع بالقبض إلى ثلاثة أيام ، فيكون القبض شرطاً في جميع البيوع إلى ثلاثة أيام ، ولا يبقى في البين حينئذ إلاّ مخالفة المشهور ، إلاّ أنّها تضرّ بالروايات فيما إذا لم يرجع إلى فهمهم من ألفاظ الروايات نفي اللزوم كما هو كذلك على ما تقدّم مفصّلا ، هذا كلّه في أصل المسألة .
وبقي الكلام في الشروط والاُمور المعتبرة فيها :
الشرط الأول : عدم قبض المبيع
فهو شرط في ثبوت الخيار بعد ثلاثة أيام على المشهور ، ومن شروط بطلان المعاملة عندنا إذا لم يحصل القبض إلى ثلاثة أيام ، وكيف كان فهذا الشرط ممّا لا كلام فيه عندهم ، ولا دلالة في الروايات على اعتبار هذا الشرط غير صحيحة علي بن يقطين ، فإنّ عدم قبض المبيع لم يذكر في كلام الإمام (عليه السلام) في الروايات وإنّما وقع في كلام السائل وهو لا يفيد الاشتراط .
ولكن في صحيحة علي بن يقطين غنىً وكفاية ، لأنّها دلّت على أنّ الأجل بينهما ثلاثة ، فإن قبّضه بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما ، فيستفاد من قوله (عليه السلام) « فإن قبّضه » أي البائع للمشتري بيعه أي المبيع فلا خيار للمشتري ، أنّ عدم إقباض
ــ[8]ــ
البائع المبيع للمشتري شرط في ثبوت الخيار للمشتري .
|