2 ـ اشتراط سقوطه في متن العقد 

الكتاب : التنقيح في شرح المكاسب - الجزء الثالث : الخيارات-1   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 6096


ومن المسقطات وهو المسقط الثاني : اشتراط سقوط الخيار في متن العقد .

وقد تعرّض شيخنا الأنصاري للاشكالات الواردة على اشتراط سقوط الخيار في متن العقد في خياري المجلس والحيوان فلا نعيدها ، وقد ذكرناها مع أجوبتها هناك فليراجع ، وعمدتها هي مسألة إسقاط ما لم يجب بتقريب أنّ في زمان الاسقاط لا خيار وفي زمان الخيار لا إسقاط ، وقد عرفت الجواب عنه بما لا مزيد عليه .

ولا يخفى عليك أنّ المدرك في خيار الغبن إن كان هو الاجماع أو الرواية أعني النبوي الوارد في تلقّي الركبان أو قاعدة لا ضرر كان لتلك المناقشة وجه ، لأنّ خيار الغبن حينئذ يكون نظير غيره من الخيارات ثابتاً بجعل الشارع ، وحينئذ يمكن أن يناقش عند شرط سقوطه في ضمن العقد بأنه من إسقاط ما لم يجب أو غيره من المناقشات .

وأمّا بناءً على أنّ مدركه هو الاشتراط الضمني الارتكازي كما ذكرناه فلا يتوجه على اشتراط إسقاطه إيراد ، وذلك لأنّ خيار الغبن حينئذ يغاير سائر الخيارات من جهة أنه إنما يثبت بجعل نفس المتعاقدين واشتراطهما بلا جعل من الشارع ، فإذا اشترطا سقوطه في ضمن العقد فمعناه أنّهما لم يشترطا عدم الزيادة أو عدم النقيصة ، وعدم الاشتراط والجعل ليس إسقاطاً لما لم يجب فلا يتوجه عليه إشكال ، فلا مناقشة في اشتراط السقوط من تلك الناحية .

ولكنه مورد للاشكال من جهة اُخرى ، وهي أنّ إسقاط خياره على نحو الاطلاق ولو بلغ الغبن إلى ما بلغ غرري ، لأنه أقدم على معاملة لا يعلم بمقدار مالية

ــ[344]ــ

المبيع فيها ، فيكون اشتراط سقوطه على نحو الاطلاق غررياً ، كما أنّ اشتراط سقوط خيار الرؤية غرري من جهة أنّ معناه رفع اليد عن أوصاف المبيع التي رآها سابقاً والبيع بلا تلك الأوصاف غرري كما ذكره الشهيد (قدّس سرّه) في الدروس(1).

وأجاب عن ذلك شيخنا الأنصاري(2) بأنّ المعاملة في نفسها لو كانت غررية فخيار الغبن لا يوجب ارتفاعه ، لأنّ الخيار حكم شرعي وهو لا يرفع الغرر  ، وإن لم تكن المعاملة غررية فوجود الخيار وعدمه لا يوجب كونها غررية هذا ، وقد تقدّم الكلام في ذلك عند التكلّم في الغرر وأنه هل يرتفع بالخيار أو لا وذكرنا هناك أنّ الخيارات التي هي مجعولات للشارع وأحكام من قبله كخياري المجلس والحيوان ونحوهما وإن كان لهذا الكلام فيها وجه ، إلاّ أنّ الخيارات الثابتة بجعل المتعاقدين كخيار الشرط والغبن فهي مما يرفع الغرر الذي هو بمعنى الخطر فإنه في أيّ مورد رأى الخطر فيه فيفسخ المعاملة حيث إنهما بنفسهما جعلا ذاك الخيار فلماذا لا يكون الخيار رافعاً للغرر .

فما أجاب به (قدّس سرّه) عن إيراد الغرر غير صحيح ، إلاّ أنّ أصل إشكال الغرر أيضاً ليس بوارد ، وذلك :

أوّلا : لأنّ الغرر بمعنى الخطر على ما فسّروه إنما يتحقق في موردين : أحدهما عند الجهل بأصل وجود المبيع كما إذا باع ما في كيسه وهو غير معلوم ولعلّه لا يوجد فيه شيء . وثانيهما : عند الجهل بأوصافه التي بها تختلف الرغبات ومنها رغبة نفس المشتري كما إذا اشترى حيواناً لا يدري أنه فرس أو دجاجة ، أو اشترى فلزاً لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدروس 3 : 276 .

(2) المكاسب 5 : 184 .

ــ[345]ــ

يدري أنه ذهب أو رصاص ، فإنّ المعاملة في أمثال ذلك خطرية ، لأنه لا يعلم بما دخل في ملكه وفي مقابل أي شيء رفع يده عن ماله .

وأمّا إذا كانت الأوصاف المقوّمة لمالية المبيع الموجبة لاختلاف الرغبات معلومة وكان أصل وجود المبيع أيضاً معلوماً للمتبائعين وقد أقدما على بيعه بكذا مقدار من الثمن نفرضه مائة دينار ، فلا تكون المعاملة غررية وإن لم يعلما بالقيمة السوقية ، وذلك لأنّ القيمة السوقية والمالية بحسب السوق أمر اعتباري ، ولا وجه لكون المعاملة عند الجهل بالأمر الاعتباري غررية حيث إنّ معناه الجهل بأنّ غيري هل يشتري ذلك بهذه القيمة أو لا ، ومجرد الجهل بذلك مع العلم بأصل المبيع وأوصافه التي باختلافها تختلف الرغبات ومنها رغبة المشتري لا يوجب الغرر وإلاّ لكانت المعاملة فيما إذا لم تكن هناك سوق باطلة كالمعاملة في الصحاري والجبال التي لا سوق فيها ولا مشتري سواه ، أو فرضنا أنّ الانسان العاقل في العالم منحصر بالمتبايعين أفهل تكون المعاملة غررية حينئذ من أجل الجهالة بأنّ المبيع هل يشتريه غيرنا بتلك القيمة أو لا .

وبعبارة واضحة : أنّ الجهل بأصل وجود المبيع أو الجهل بأوصافه الدخيلة في الرغبات يوجب الجهالة بما ينتقل إليه في مقابل ما يبذله ولو مع انحصار الانسان العاقل بالمتبايعين أو فيما ليس هناك سوق كالصحاري ، فإنه مع الجهل بهما لا يدري أنّ ما دخل في ملكه ماذا أفهل هو ممّا يرغب إليه أو مما لا يرغب إليه ، أو أنه موجود أو غير موجود ، وهذا يوجب الخطر ، بخلاف الجهل بمجرد القيمة السوقية ومقدار مالية المال عند غيرهما مع العلم بأصل الوجود وأوصافه الدخيلة في زيادة الرغبة فإنه لا يمنع عن العلم بما دخل في ملكه في مقابل ما يبذله ولا يبقى في البين إلاّ مجرد عدم العلم بأنّ غيره يشتريه بهذه القيمة أو لا ، وهذا لا يشترط في صحة المعاملة وإلاّ لما صحت المعاملة في الصحاري وعند فرض انحصار الانسان بهما ، هذا كلّه .

ــ[346]ــ

مضافاً إلى أنّ العلم بالقيمة السوقية لو كان دخيلا في صحة المعاملات للزم اشتراط العلم بالقيمة السوقية في بيع السلم بأن يقال إنّ المتبايعين لابدّ من أن يعلما بقيمة المبيع في ظرف تسليمه عند بيعه قبلا لاحتمال أن تكون القيمة السوقية بعد سنة ضعف القيمة الفعلية ، وهذا مما لم يقل به أحد من الفقهاء ولا العقلاء .

وثانياً : هب أنّ العلم بالقيمة السوقية شرط في صحة المعاملة وأنّ الجهل بها يوجب الغرر ، إلاّ أنّ النسبة بين إسقاط الخيار والغرر عموم من وجه ، فلعلّه عند إسقاطه مطمئن بعدم زيادة القيمة السوقية أو نقيصتها عن الثمن ، فمجرد الاسقاط لا يوجب الجهل بالقيمة حتى تكون المعاملة خطرية وغررية ، ومجرد كون القيمة السوقية أكثر بحسب الواقع لا يوجب أن تكون المعاملة غررية ، لما ذكرناه في محلّه من أنّ المناط في الغرر هو الحالة الوجدانية حال البيع ، فإذا لم يحتمل الخطر في حال المعاملة فهي ليست غررية ولو ظهر بعد ذلك أنّ القيمة السوقية أكثر ، وكيف كان فليس إسقاط الخيار ملازماً للغرر بل النسبة بينهما عموم من وجه .

ومما ذكرناه في المقام يظهر الجواب عن إشكال الغرر عند إسقاط خيار الرؤية  ، فإنّ إسقاط الخيار لا يلازم رفع اليد عن الأوصاف المرئية بل لعلّه مطمئن ببقاء المبيع على أوصافه لقلّة المدّة وعدم الفصل الطويل بين زمان الرؤية وزمان المعاملة ، أو من جهة العلم ببقائه على حاله ، ومعه لا تكون المعاملة غررية . فالظاهر أنّ إسقاط الخيار في الغبن والرؤية مما لا يوجب الغرر ، بل يمكن إسقاط خيار العيب أيضاً فإنه إذا باعه أمة مبتلاة بالسل أعاذنا الله منه ومن نظائره بحيث لا يمكن الاستفادة منها ولا التداني إليها ولا التكلّم معها لاحتمال سراية السلّ منها واشترط على المشتري سقوط الخيار وقبله المشتري وأسقط خياره واشتراها بما هي عليها من الأوصاف كائنة ما كانت باطمئنان منه بصحة الأمة أو باعتماده على أصالة السلامة إذا قلنا إنها أصل عقلائي ، فهل تكون المعاملة غررية مع أنه حين

ــ[347]ــ

البيع لا يحتمل الخطر .

وبالجملة : لا وجه لدعوى الغرر عند إسقاط الخيار أبداً فيصح إسقاط الخيار  ، لأنّ تساوي القيمتين في خيار الغبن أو الصحة في خيار العيب ليسا مصححاً للمعاملة حتى تبطل المعاملة بعدمهما وإسقاطهما ، وإنما ثبتا من جهة الاشتراط الضمني الارتكازي وبه قلنا بثبوت الخيار عند تخلّفه ، فإذا بنى المتعاملان على المعاملة ولو مع كون المبيع معيوباً أو القيمة السوقية غير متساوية فلا محالة يسقطان شرطهما الارتكازي فلا يثبت لهما الخيار حينئذ عند تخلّفه ، وهذا ظاهر .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net