3 ـ الإيمان 

الكتاب : التنقيح في شرح العروة الوثقى-الجزء الاول:التقليد   ||   القسم : الفقه   ||   القرّاء : 19136


    3 ـ الإيمان :

   (1) استدلوا على اعتباره باُمور :

   منها : دعوى إجماع السلف والخلف على شرطية الايمان في المقلّد .

   ويدفعه : أن الاجماع المدعى ليس من الاجماعات التعبدية حتى يستكشف به قول

ــ[181]ــ

المعصوم (عليه السّلام) لاحتمال أن يكون مستنداً إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال ، ومعه لا مجال للاعتماد عليه .

   منها : مقبولة عمر بن حنظلة حيث ورد فيها : «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ...» (1) وحسنة أبي خديجة بقوله (عليه السّلام) فيها : «ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ...» (2) .

   وفيه : أن الروايتين إنما وردتا في الترافع والقضاء ، وقد مرّ في التكلم على اعتبار الأعلمية أنه لا ملازمة بين بابي القضاء والفتوى حتى يعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر من الشروط ، على أنهما دلتا على اعتبار كون القاضي من الشيعة نظراً إلى أن غير الشيعة لا يروي عنهم (عليهم السّلام) وإنما يروي عن المفتين في مذهبه وعمّن اعتنق به في عقيدته ، أو لو روى عنهم لم يكن يحكم بحكمهم ولا أنه عارف بأحكامهم وقضاياهم عادة ، لا أن ذلك حكم تعبدي صدر عنهم (عليهم السّلام) وعلى الجملة أن اعتبار الايمان في الروايتين من جهة أن الموضوع للحكم بالحجية فيهما هو ما إذا حكم الحاكم بحكمهم لأنه الّذي جعله (عليه السّلام) حاكماً على الناس ، وغير الاثنى عشري إنما يحكمون بأحكام أنفسهم لا بحكمهم (عليهم السّلام) فإذا فرضنا في مورد أن المفتي من غير الشيعة إلاّ أنه يحكم بحكمهم لعرفانه بأحكامهم وقضاياهم ـ  كما هو مفروض الكلام  ـ لم يكن وجه لأن تشمله الروايتان ، هذا .

 على أن مقبولة عمر بن حنظلة ضعيفة السند على ما بيّناه في التكلم على اعتبار الأعلمية فلاحظ(3) .

 ومنها : روايتا علي بن سويد وأحمد بن حاتم بن ماهويه فقد ورد في أولهما : «كتب إليّ أبو الحسن (عليه السّلام) وهو في السجن : لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا فإنك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين ...» (4) وفي ثانيتهما جواباً عمّا كتبه أحمد بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 136 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 1 .

(2) وسائل الشيعة 27 : 13 / أبواب صفات القاضي ب 1 ح 5 .

(3) راجع ص 141  .

(4) وسائل الشيعة 27 : 150 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 42 .

ــ[182]ــ

حاتم وأخوه إلى أبي الحسن الثالث (عليه السّلام) «فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبنا ، وكل كثير القدم في أمرنا ، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى» (1) وذلك للنهي في الرواية الاُولى عن الرجوع إلى غير الشيعة ، والأمر في الثانية بالاعتماد على المسنّ في حبهم وكثير القدم في أمرهم (عليهم السّلام) .

   ويدفعه : أن الروايتين ضعيفتا السند ، فإن في سند أولاهما محمد بن إسماعيل الرازي وعلي بن حبيب المدائني وكلاهما لم يوثق في الرجال ، كما أن في سند الثانية جملة من الضعاف منهم أحمد بن حاتم بن ماهويه .

   مضافاً إلى أن الظاهر أن النهي في الرواية الاُولى عن الأخذ من غير الشيعة إنما هو من جهة عدم الوثوق والاطمئنان بهم لأنهم خونة حيث خانوا الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخانوا أماناتهم كما في الرواية ، وأين هذا مما هو محل الكلام ، لأن البحث إنما هو في جواز الرجوع إلى من كان واجداً لجميع الشرائط وتصدى لاستنباط الأحكام عن أدلتها على الترتيب المقرر عندنا ولم يكن فيه أي نقص غير أنه لم يكن شيعياً ومعتقداً بالأئمة (عليهم السّلام) .

   وأما الرواية الثانية فهي غير معمول بها قطعاً ، للجزم بأن من يرجع إليه في الأحكام الشرعية لا يشترط أن يكون شديد الحب لهم أو يكون ممن له ثبات تام في أمرهم (عليهم السّلام) فإن غاية ما هناك أن يعتبر فيه الايمان على الوجه المتعارف بين المؤمنين ، إذن لا بدّ من حملها على بيان أفضل الأفراد على تقدير تماميتها بحسب السند .

   ويؤكد ما ذكرناه : أن أخذ معالم الدين كما أنه قد يتحقق بالرجوع إلى فتوى الفقيه كذلك يتحقق بالرجوع إلى رواة الحديث ، ومن الظاهر أن حجية الرواية لا تتوقف على الايمان في رواتها ، لما قررناه في محلّه من حجية خبر الثقة ولو كان غير الاثنى عشري من سائر الفرق ، إذن فليكن الأخذ بالرجوع إلى فتوى الفقيه أيضاً كذلك .

   على أ نّا لو سلّمنا جميع ذلك وبنينا على شرطية الايمان والاسلام في حجية الفتوى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27 : 151 / أبواب صفات القاضي ب 11 ح 45 .

ــ[183]ــ

والعدالة (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بحسب الحدوث ، فلا ملازمة بينها وبين اعتبارهما في حجيتها بقاء أيضاً ، بحيث لو أخذ العامّي فتوى المجتهد حال استقامته وإيمانه ثمّ انحرف عن الحق لم يجز له أن يبقى على تقليده لسقوط فتواه عن الاعتبار ، فإنه يحتاج إلى دليل آخر غير ما دلّ على اعتبارهما في الحدوث .

   فالمتحصل إلى هنا : أنه لم يدلنا دليل لفظي معتبر على شرطية الايمان في المقلّد ، بل مقتضى إطلاق الأدلة والسيرة العقلائية عدم الاعتبار لأن حجية الفتوى في الأدلة اللفظية غير مقيدة بالايمان ولا بالاسلام كما أن السيرة جارية على الرجوع إلى العالم مطلقاً ، سواء أكان واجداً للايمان والاسلام أم لم يكن وهذا يتراءى من سيرتهم بوضوح لأنهم يراجعون الأطباء والمهندسين أو غيرهم من أهل الخبرة والاطلاع ولو مع العلم بكفرهم .

   ومع هذا كلّه لا ينبغي التردد في اعتبار الايمان في المقلّد حدوثاً وبقاءً كما يأتي وجهه عن قريب فانتظره .




 
 


أقسام المكتبة :

  • الفقه
  • الأصول
  • الرجال
  • التفسير
  • الكتب الفتوائية
  • موسوعة الإمام الخوئي - PDF
  • كتب - PDF
     البحث في :


  

  

  

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • أضف موقع المؤسسة للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

الرئيسية   ||   السيد الخوئي : < السيرة الذاتية - الإستفتاءات - الدروس الصوتية >   ||   المؤسسة والمركز   ||   النصوص والمقالات   ||   إستفتاءات السيد السيستاني   ||   الصوتيات العامة   ||   أرسل إستفتاء   ||   السجل

تصميم، برمجة وإستضافة :  
 
الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net