ــ[125]ــ
[ 3447 ] مسألة 50 : إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه للعامل ، قدّم قول العامل بيمينه مع عدم البيّنة (1) من غير فرق بين كون المال موجوداً أو تالفاً مع ضمان العامل ، لأصالة عدم إعطائه أزيد مما يقوله واصالة براءة ذمّته إذا كان تالفاً بالأزيد .
هذا إذا لم يرجع نزاعهما إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح . كما إذا كان نزاعهما بعد حصول الربح وعلم أن الذي بيده هو مال المضاربة ، إذ حينئذ النزاع في قلّة رأس المال وكثرته يرجع إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود . إذ على تقدير قلّة رأس المال ، يصير مقدار الربح منه أكثر ، فيكون نصيب العامل أزيد . وعلى تقدير كثرته ، بالعكس . ومقتضى الأصل كون جميع هذا المال للمالك ، إلاّ بمقدار ما أقرّ به للعامل (2) .
وعلى هذا أيضاً لا فرق بين كون المال باقياً أو تالفاً بضمان العامل ، إذ بعد الحكم بكونه للمالك إلاّ كذا مقداراً منه ، فإذا تلف مع ضمانه لا بدّ أن يغرم المقدار الذي للمالك .
[ 3448 ] مسألة 51 : لو ادّعى المالك على العامل أنه خان ، أو فرّط في الحفظ فتلف ، أو شرط عليه أن لا يشـتري الجنس الفـلاني ، أو لا يبيع من زيد أو نحو ذلك . فالقول قول العامل في عدم الخيانة والتفريط ، وعدم شرط المالك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لما تقدّم .
(2) ولا يرد عليه أنّ العامل ذو اليد حيث إنّ المال بأجمعه في يده بالفعل ، ومقتضى القاعدة كونه بأجمعه له إلاّ ما أقرّ به للمالك .
فإنه إنما يتمّ فيما إذا لم يكن ذو اليد معترفاً بانتقاله إليه من المالك ، وأما معه فلا أثر لليد ، حيث ينقلب المدّعي منكراً والمنكر مدّعياً ، فيلزم بالإثبات ، وإلاّ فالمال للمالك بمقتضى اعترافه ، ولا يستحق إلاّ ما يقرّ به المالك .
نعم ، للعامل إحلاف المالك في الفرض ، على ما تقتضيه قواعد القضاء .
ــ[126]ــ
عليه الشرط الكذائي((1)) (1) والمفروض أن مع عدم الشرط يكون مختاراً في الشراء وفي البيع من أي شخص أراد .
نعم ، لو فعل العامل ما لا يجوز له إلاّ بإذن من المالك ، كما لو سافر أو باع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فيه إشكال ، بل منع .
وذلك لما ذكرناه في مبحث الإطلاق والتقييد من المباحث الاُصولية ، من انّ النسبة بين الإطلاق والتقييد بحسب مقام الثبوت هو التضاد ، حيث إنّ الإهمال أمر غير معقول . فإن المنشئ إذا التفت إلى انقسام متعلق حكمه أو موضوعه ، فإما أن يكون لإحدى تلك الخصوصيات الموجبة للانقسام دخل في ثبوت ذلك الحكم المنشأ أو لا يكون ، ولا ثالث لهما لامتناع ارتفاع النقيضين . والأوّل هو المقيّد ، ويسمّى بالطبيعة بشرط شيء إن كان القيد وجودياً ، والطبيعة بشرط لا إن كان عدميّاً . والثاني هو المطلق ، ويسمّى بالطبيعة لا بشرط القسمي . والإهمال غير معقول لاستحالة ارتفاع النقيضين .
وبعبارة اُخرى : إنّ حال الآمر لا يخلو بحسب الواقع ، إما من لحاظ الطبيعة السارية ، أو لحاظ الطبيعة المقيَّدة ببعض الخصوصيات الوجودية أو العدمية . ومن هنا فتكون النسبة بينهما هي نسبة التضادّ ، حيث إنّ كلاًّ منهما ـ لحاظ الدخل ولحاظ عدمه ـ أمر وجودي .
وأما بحسب مقام الإثبات، فالنسبة بينهما إنما هي نسبة العدم والملكة . فإنّ المتكلم إن لم يكن في مقام البيان ، فالقضية مجملة مهملة ، لا مطلقة ولا مقيدة . وإن كان في مقام البيان ، فإنْ ذكر القيد فالقضية مقيّدة ، وإلاّ فهي مطلقة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا الشرط وما بحكمه يرجع إلى تقييد متعلّق عقد المضاربة ، وعليه فالعامل يدّعي الإطلاق كما أنّ المالك يدّعي التقييد ، وأصالة عدم تقييد المتعلّق معارضة بأصالة عدم إطلاقه على ما بيّنّا في محلّه من أ نّهما متضادّان في مقام الثبوت ، وأمّا استصحاب عدم التقييد في مقام الإثبات فلا يترّتب عليه الإطلاق في مقام الثبوت ، وأمّا أصالة الإطلاق فلا مجرى لهـا في أمثـال المقام ونتيجة ذلك كلّه أنّ القول قول المالك لأصالة عدم إذنه فيما يدّعي العامل إذنه فيه .
ــ[127]ــ
ثمّ إنّ الإطلاق في هذا المقام ، يكشف عن عدم التقيد في مقام الثبوت وكون مراده هي الطبيعة السارية ، وإلاّ لكان متكلماً على خلاف ما هو المتعارف لدى الناس في مقام التفاهم .
ومما ذكرنا يظهر الوجه في كون النسبة بينهما بحسب هذا المقام هو العدم والملكة فإنّ الإطلاق عبارة عن عدم تقيد ما هو قابل للتقيد .
ومن هنا فما ذكر في كلمات الأصحاب من كون المقابلة بينهما من تقابل العدم والملكة صحيح ، لكنه بالقياس إلى مقام الإثبات فقط .
وعلى ضوء هذا ، ففيما نحن فيه :
إذا اعترف المالك بكون عقد المضاربة حين وقوعه مطلقاً ، كشف ذلك عن إطلاقه في مقام الثبوت أيضاً . فإن ادّعى أنه قد منع العامل بعد ذلك عن الاتجار بنحو معيَّن بحيث يكون مقيّداً منفصلاً ورافعاً لحجية ظهور ذلك الإطلاق مع بقاء أصل الظهور على حاله ، وأنكر العامل ذلك ، فالأمر كما أفاده (قدس سره) من تقديم قول العامل . فإنّ إطلاق كلامه بمقتضى اعترافه حجّة عليه ، ما لم يثبت أنه أقام حجة اُخرى .
لكن الظاهر أ نّه (قدس سره) لا ينظر إلى فرض دعوى قيام الحجّة المنفصلة ، وأنه ناظر إلى فرض دعوى الحجّة المتصلة ، بمعنى ادعاء المالك لمنع العامل عن التجارة المعيَّنة حين المضاربة ، وخيانة العامل بمخالفته لذلك ، وإنكار العامل لذلك .
وفي هذا الفرض لا يتمّ ما أفاده (قدس سره) ، حيث إنّ العامل حينئذ يدّعي الإطلاق والمالك يدّعي التقييد ، وفي مثله لا يمكن تقديم قول العامل ، لأنه مدَّع أيضاً . لأنّ أصالة عدم التقييد ، إن اُريد بها استصحاب العدم الأزلي ـ لو قلنا به كما هو الصحيح ـ فلا أثر له في المقام ، حيث لا يثبت الإطلاق . وإن اُريد بها أصالة الإطلاق الثابتة ببناء العقلاء ، فلا مورد لها في المقام ، فإنها إنما تجري فيما إذا أحرز الإطلاق في مقام الإثبات ، وكان الشكّ في مطابقة مقام الثبوت له ، فلا تجري في فرض الشك في أصل ثبوت الإطلاق .
والحاصل أ نّه بعد الشكّ في الإطلاق والتقييد في المقام ، لا وجه لإثبات الإذن من
ــ[128]ــ
بالنسيئة وادّعى الإذن من المالك ، فالقول قول المالك في عدم الإذن (1) .
والحاصل أنّ العامل لو ادّعى الإذن فيما لا يجوز إلاّ بالإذن قدِّم فيه قول المالك المنكر . ولو ادّعى المالك المنع فيما يجوز إلاّ مع المنع ، قدّم قول العامل المنكر له . ـــــــــــــــــــــــ
المالك ما لم يُثبت هو التقيد ، لما عرفت من أ نّهما من المتضادَّين ، بل لا بدّ على العامل من إثبات ذلك ، وإلاّ فهو له ضامن .
ثمّ إنّ هذا الكلام لا يختصّ بالمقام بل يجري في موارد كثيرة ، منها الوقف إذا شك في عمومه وخصوصه ، فإنّه لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن ما لم يعلم أنّ الصادر من المنشأ هو المطلق.
(1) حيث إنّ العامل مدّع والمالك منكر ، والقول قول المنكر ما لم يثبت المدّعي دعواه بالبيّنة ، أو حلف اليمين المردودة .
|