الثالث : أنّ النزاع في المقام وإن كان في خصوص الصلاة فيما يشكّ في كونه من أجزاء ما لا يؤكل ، إلاّ أنّ ملاكه يعمّ كل مشتبه من بقيّة الموانع ، سواء كانت المانعية عقلية أو شرعية ، نعم بعض الوجوه المذكورة للجواز لا يجري في بعض الشبهات الموضوعية ، إلاّ أنّ ما هو المهم يجري في الجميع ، ويظهر لك ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وما توهّمه بعض المحقّقين من المعاصرين(2) تبعاً للمحقّق صاحب الكفاية(3) (قدّس سرّهما) من اختصاص المانعية العقلية بصورة الإحراز ، وعدم عمومها صورة الشكّ في وجود الموضوع ناش من الخلط بين بابي التزاحم والتعارض ، فإنّ المانعية ــــــــــــــــــــــــــــ (1) مصباح الاُصول 3 (موسوعة الإمام الخوئي 48) : 286 . (2) وهو المحقّق الإيرواني (رحمه الله) في رسالة الذهب المسكوك في اللباس المشكوك : 4 . (3) كفاية الاُصول : 156 ، 174 .
ــ[8]ــ
العقلية إن كانت ناشئة من التزاحم بين التكليفين فلا ريب في أنّ التكليف المزاحم إنّما يكون مزاحماً ومعجّزاً مولوياً في ظرف تنجّزه ، ومع عدم التنجّز ولو من جهة الشكّ في موضوعه فلا مزاحم في البين أصلا .
وأمّا إذا كانت ناشئة من التعارض ، كما إذا حرم لبس الحرير ووجب لبس الساتر في الصلاة فوقعت المعارضة بين الدليلين ، فقيّد اللباس بغير الحرير بحكم العقل ، فكيف يمكن أن يقال باختصاص المانعية بصورة العلم بعد ما كان الحرير بوجوده الواقعي محكوماً بحرمة لبسه المضادّة لوجوبه في الصلاة .
ولذلك قد ذكرنا في محلّه(1) أنّ عدم جواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقية يعمّ ما إذا كان التخصيص بحكم العقل أيضاً ، وعليه بنينا فساد الصلاة الواقعة في الغصب ولو مع الجهل بغصبيّته ، بناءً على القول بعدم جواز اجتماع الأمر والنهي(2)، ووجّهنا فتوى المشهور بالصحّة بأنّهم ذهبوا إلى جواز الاجتماع وذلك لا ينافي حكمهم بالفساد في صورة العلم بالغصبية ، فإنّه من جهة التزاحم وتقديم جانب النهي ، والتفصيل يحتاج إلى بسط في الكلام بما لا يناسبه وضع الرسالة .
هذا كلّه من جهة الشبهة الموضوعية ، وأمّا الشبهة الحكمية فلا ريب في جواز الصلاة معها ، بناءً على البراءة فيما تردّد أمر المأمور به بين الأقل والأكثر كما هو المعروف ، نعم بناءً على لزوم الاحتياط فيه فلابدّ من القول بعدم الجواز في الشبهة الحكمية أيضاً . ــــــــــــــــــــــــــــ (1) محاضرات في اُصول الفقه 4 (موسوعة الإمام الخوئي 46) : 352 . (2) راجع شرح العروة الوثقى 13 : 17 .
|