ثمّ قال : يشكل على ذلك ، الأمر في كثير من الموارد من الأموال المتروكة ، لحصول العلم غالباً بأن الميت كان مشغول الذمّة بدين أو خمس أو زكاة أو حج ونحو ذلك من الحقوق المالية ، وإجراء الاستصحاب يوجب الإشكال في التصرف في الأموال المتروكة ، ثمّ دفع الإشكال بالحمل على الصحّة ، فإن ظاهر حال المسلم الاتيان بما وجب عليه ، ثمّ أورد على نفسه بأنه يشكل إجراء أصالة الصحّة في الواجبات الموسعة ، بل في غيرها مما لم يكن على نحو التوقيت كالواجبات التي يجب الاتيان بها فوراً وإن لم تكن مؤقتة ، ولذا احتاط في هذه الصورة بالاخراج من الأصل .
والذي ينبغي أن يقال : إن موارد الاشتغال بالحقوق المالية على ثلاثة أقسام .
الأوّل : ما إذا تعلق الحق كالخمس والزكاة بعين المال الشخصي والمال موجود بعينه ، ونشك في أن المالك أدى ما عليه من الحق أم لا ؟
الثاني : ما إذا تعلق الحق بعين المال ولكن المال غير موجود بعينه ، ونشك في أن المالك هل أدى خمسه أو زكاته قبل تلف المال أو أنه تلف قبل أداء الحق وقد اشتغلت ذمّته به ؟
الثالث : ما إذا اشتغلت ذمّته بالحق من أوّل الأمر ، بمعنى أنا نعلم أن المالك أتلف المال قبل أداء الحق واشتغلت ذمّته به وانتقل الحق إلى الذمّة ، ولكن نشك في أنه هل أدّى الحق الثابت في ذمّته أم لا ؟
أمّا الأوّل : فلا ينبغي الريب في جريان الاستصحاب فيه ، لأنّ هذا المال بعينه قد تعلق به الخمس مثلاً ونشك في أدائه وعدمه ، والأصل العدم .
ثمّ إن العبرة بشك الوارث أو الوصي لا شك الميت ، فلا يضر الجهل بكونه شاكاً حين موته أو كان عالماً بأحد الأمرين ، ولا يكفي إجراء أصالة الصحّة في إثبات أداء الميت الحق المتعلق بعين المال ، لأنّ أصالة الصحّة تقتضي عدم ارتكاب المالك الحرام
ــ[90]ــ
وعدم سوء الظن به ، ولا يترتب عليه أي أثر آخر ، ولذا لا تترتب عليه الآثار الشرعية في العقود والايقاعات في أمثال المقام ، فلو شكّ في أنه باع داره أو صدر منه العقد أو الكلام الباطل المحرم لا يحكم عليه ببيع داره لحمل فعله على الصحّة ، بل غاية ما يترتّب على ذلك أنه لم يرتكب محرماً ولم يصدر منه الكلام الباطل ، ومن ذلك ما ذكره الشيخ الأنصاري من أنه لو تردد الأمر بين أن سلم أو سبّ لا يجب علينا ردّ السلام لحمل فعله على الصحّة (1) ، وإنما نحكم بأنه لم يصدر منه السب ، فاستصحاب عدم الأداء وبقاء الاشتغال محكّم . ــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول 2 : 718 .
|