وعلى الجملة : فتعلّق النصاب الأوّل وحلول حوله لا يُبقي مجالاً للثاني ، فلا جرم يتقدّم ، لا لأجل الترجيح بالسبق الزماني ، لعدم كونه من المرجّحات في باب التعارض ، بل لأجل أنّ الأوّل مُعدِمٌ لموضوع الثاني دون العكس ، فهو بمثابة الدليل الحاكم ، والدوران بينهما كالدوران بين التخصّص والتخصيص الذي لا ريب في تقدّم الأوّل كما لا يخفى .
فالأقوى ما ذكره في المتن من تقديم الحول الأوّل واستئناف الحول لهما بعد انتهائه ، وإن كان الاحتياط في مراعاة النصابين ممّا لا ينبغي تركه .
وملخّص الكلام : أنّ الدليل قد قام على أنّ المال لا يزكّى في العام من وجهين :
المعتضد بفعل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، حيث لم يطالب بالزكاة ـ التي
ــ[243]ــ
نزلت آيتها في شهر رمضان ـ إلاّ في العام القابل بعد الفطر كما نطق به النصّ (1) .
والمعتضد أيضاً بالتسالم الخارجي القائم على أنّ من ملك النصاب وفي أثناء الحول ملك نصاباً آخر ، كما لو ملك في أوّل محرّم خمساً من الإبل ، وفي شهر رجب خمساً اُخرى ، فأدّى زكاة النصاب الأوّل في محرّم القابل ـ وهي شاة ـ ثمّ عند حلول شهر رجب لا تجب إلاّ شاة اُخرى لا شاتان وإن صدق عليه أ نّه حال الحول وهو مالك لعشرة من الإبل وزكاتها شاتان ، وليس ذلك إلاّ لأجل أ نّه قد أدّى زكاة الخمس الاُولى فلا تؤدّى ثانياً .
وعليه ، فالأمر دائر في محلّ الكلام بين احتمالين ـ هما العمدة من بقية الاحتمالات ـ :
فإمّا أن يراعى النصاب الأوّل ويستأنف حول واحد للمجموع بعد انتهاء الحول الأوّل ، المستلزم لإلغاء بقيّة الحول بالإضافة إلى الملك الجديد .
أو يعكس ، فيراعى النصاب الثاني المستلزم لإلغاء ما تقدّمه من الحول .
ولا ينبغي التأمّل في أنّ المتعيّن هو الأوّل ، لفعليّة موضوعه ، وشمول الإطلاق له ، المستوجب لإعدام الموضوع بالإضافة إلى الثاني ، ولأجله يكون الإطلاق في الأوّل أظهر فيتقدّم نحو تقدّم الأظهر على الظاهر لدى الجمع بين المتعارضين .
وممّا يؤيّد ذلك ـ بل يدلّ عليه ـ أنّ فرض العكس يستلزم سقوط الزكاة سنين عديدة ، وهو مقطوع الفساد ، مثلاً : لو فرضنا أنّ عنده أوّل محرّم ستّ وعشرين من الإبل وبعد عشرة أشهر ـ أي أوّل ذي القعدة ـ ملك عشرة اُخرى ، فصار المجموع ستّ وثلاثين ، فعلى ما ذكرناه يلغى الشهران الباقيان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المتقدّم في ص 212 .
ــ[244]ــ
ويجب عليه عند حلول الحول ـ أي أوّل محرّم الثاني ـ بنت مخاض ، ثمّ يستأنف الحول لهما من الآن ويدفع بعد تماميّته بنت لبون التي هي فريضة النصاب السابع ، ولا محذور فيه .
وأمّا على القول الآخر بأن يكون مبدأ الحول زمان حدوث الملك الجديد المكمّل لنصاب آخر ـ أي أوّل ذي القعدة ـ المستلزم لإلغاء ما تقدّمه من الأشهر العشرة السابقة ، فلو فرضنا أ نّه بعد عشرة أشهر من هذا المبدأ المنطبق على أوّل رمضان ملك عشراً اُخرى من الإبل بحيث صار المجموع ستّ وأربعين ـ الذي هو النصاب الثامن وفيها حقّـة ـ كان اللازم إلغـاء الأشهر العشرة المتقدّمة عليها بعين المناط المذكور أوّلاً، لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز سواء، فيكون مبدأ الحول من هذا الوقت ، وينتقل الأمر إلى النصاب الثامن من غير أن يدفع أو تجب عليه أي زكاة .
ثمّ لو فرضنا أ نّه بعد مضيّ عشرة أشهر اُخرى من هذا الوقت المنطبق على شهر رجب ملك خمس عشرة من الإبل ، بحيث صار المجموع إحدى وستّين ـ وهي النصاب التاسع وفيها جذعة ـ كان اللازم إلغاء العشرة أشهر المتقدّمة وابتداء الحول من هذا الوقت ، وهلّم جرّا ، فينتقل ابتداء الحول من نصاب إلى نصاب إلى نصاب وهكذا ، فيلزم إلغاء الزكاة وسقوط وجوبها سـنين عديدة ، وهو ممّا لا نظنّ أن يلتزم به متفقّهٌ فضلاً عن الفقيه ، بل هو مقطوع الفساد ، فيكشف ذلك عن بطلان المبنى بطبيعة الحال .
ثمّ إنّا أشرنا فيما مرّ إلى أنّ الماتن لم يذكر في القسم السابق ـ أعني : ما إذا حصل الملك الجديد بعد تمام الحول السابق وقبل الدخول في اللاّحق ـ إلاّ صورةً واحدة ، وهي ما إذا كان مكمّلاً لنصاب آخر دون العفو ودون النصاب المستقلّ .
ولعلّ السرّ في ذلك : الإيعاز إلى أنّ الذي هو محلاًّ للخلاف والكلام ومورداً
|