ــ[84]ــ
أدلة المثبتين
الأوّل : الاستصحاب ، أعني استصحاب حجية فتوى الميت قبل موته ، ولا يرد عليه ما أوردناه على استصحابها في تقليده إبتداء ، من أن الحجية الفعلية مقطوعة الخلاف إذ لا وجود للمكلف في عصر المجتهد فضلاً عن عقله وغيره من الشروط وقد مرّ أن الفعلية متوقفة على وجود المكلف في عصر المجتهد ، والحجية الإنشائية على نحو القضية الحقيقية مردّدة بين الطويل والقصير ، والقدر المتيقن منها هي الحجية مادام الحياة ، وأمّا جعلها لفتوى الميت حتى بعد الممات فهو مشكوك فيه من الابتداء والأصل عدم جعلها زائداً على القدر المتيقن .
والوجه في عدم وروده على استصحاب الحجية في المقام ، أن الحجية المستصحبة إنما هي الحجية الفعلية في محل الكلام لأن العامّي قد كان موجوداً في عصر المجتهد الميت واجداً لجميع الشرائط ، بل قد كان قلّده برهة من الزمان ولكنّا نشك في أن الحجية الفعلية هل كانت مطلقة وثابتة حتى بعد الممات ، أو أنها مقيدة بالحياة فلا مانع من استصحاب حجية فتواه بعد الممات .
وبهذا يتضح أن المستصحب هو الحكم الظاهري أعني حجية فتوى الميت قبل موته ، ومعه ليس هناك أيّ خلل في أركان الاستصحاب لليقين بالحجية الفعلية والشك في بقائها ، وليس المستصحب هو الحكم الواقعي الّذي أفتى به المجتهد حال الحياة ليرد عليه أن الاستصحاب يعتبر في جريانه اليقين بتحقق المستصحب وحدوثه لدى الشك في البقاء ، وهذا في موارد ثبوت المستصحب باليقين الوجداني من الظهور بمكان لأن المكلف حينما يشك في بقاء المستصحب يتيقن من حدوثه بالوجدان ، وكذا في موارد ثبوته بالعلم التعبدي ، كما إذا ثبتت نجاسة شيء بالبينة أو ثبتت نجاسة العصير المغلي بالرواية وشككنا بوجه في بقائها، فإن لنا حينئذ يقيناً في ظرف الشك بحدوث المستصحب وتحققه وإن كان يقيناً تعبدياً ، لوضوح أنه لا فرق في جريان الاستصحاب بين كون اليقين السابق وجدانياً أو تعبدياً ، كما لا فرق من هذه الناحية بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية .
وأمّا في موارد استصحاب الحكم الواقعي الثابت بفتوى المجتهد بعد موته فلا يقين
ــ[85]ــ
من حدوث المستصحب حينما يشك في بقائه وارتفاعه ، فلو أفتى المجتهد بنجاسة العصير العنبي بالغليان وشككنا فيها بعد موته للشك في حجية فتواه بعد الممات ، لم يكن لنا يقين وجداني لدى الشك من ثبوت النجاسة للعصير بالغليان حال حياة المجتهد ، وهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى البيان والاستدلال ، كما لا يقين تعبدي بنجاسته للشك في حجية فتوى الميت بعد موته ، وحيث إنه شك سار لاحتمال انقطاع حجية فتواه وطريقيتها بالممات ، فلا طريق لنا بالفعل إلى استكشاف نجاسة العصير بالغليان حتى نستصحبها إذا شككنا في بقائها وارتفاعها .
والمتلخص : أن استصحاب الحجية على مسلك المشهور مما لا شبهة فيه . نعم على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لا يمكننا التمسك بالاستصحاب في المقام لأن الشبهة حكمية ، إذ الشك في أن الشارع هل جعل الحجية الفعلية مطلقة أو جعلها مقيّدة بالحياة ، فيكون استصحاب بقاء الحجية الفعلية معارضاً باستصحاب عدم جعل الحجية لفتوى الميت زائداً على القدر المتيقن وهو حال الحياة . إذن لا مجال للاستصحاب ولا بدّ من التماس دليل آخر على جواز البقاء .
الثاني : المطلقات ، لأن آية النفر تقتضي وجوب العمل على طبق إنذار المنذر إذا أنذر وهو حي ، ولم تدل على اختصاصه بما إذا كان المنذر باقياً على الحياة حال العمل بفتواه وإنذاره . وعلى الجملة أنها تدلنا باطلاقها على أن إنذار الفقيه حجة مطلقاً سواء كان حياً عند العمل به أم لم يكن ، وكذلك آية السؤال والأخبار الآمرة بالأخذ من محمد بن مسلم أو زكريا بن آدم أو غيرهما ، لأنهما إنما دلتا على وجوب السؤال من أهل الذكر أو الأخذ من الأشخاص المعينين ، ولم يدلا على تقييد ذلك بما إذا كان أهل الذكر أو هؤلاء الأشخاص حياً عند العمل بقوله . نعم ، يعتبر أن يكون الأخذ والسؤال كالانذار حال الحياة ، وهو متحقق على الفرض .
فالمتحصل : أن المطلقات شاملة للميت والحي كليهما ، لعدم العلم بمخالفتهما في الفتوى على الفرض وأن مقتضاها جواز البقاء على تقليد الميت .
الثالث : السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم فيما جهله من الحِرف والعلوم والموضوعات وغيرها ، بلا فرق في ذلك بين أن يكون العالم باقياً على
ــ[86]ــ
حياته عند العمل بقوله وعدمه ، لوضوح أن المريض لو رجع إلى الطبيب وأخذ منه العلاج ثمّ مات الطبيب قبل أن يعمل المريض بقوله ، لم يترك العقلاء العمل على طبق علاجه ، وهذه السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة لأن ما قدّمناه من الردع يختص بسيرتهم الجارية على الرجوع إلى العالم الميت من الابتداء ، لأنها وإن كانت محرزة كما مرّ إلاّ أن قيام الضرورة على بطلان انحصار المقلد في شخص واحد رادع عنها كما عرفت وهذا لا يأتي في المقام كما ترى ، إذ لا يلزم من البقاء على تقليد الميت محذور الانحصار ، فالأدلة مقتضية لجواز البقاء ولا مانع عنه سوى الاجماع المدعى في كلام شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) حيث استظهر من كلمات المجمعين وإطلاقها عدم جواز تقليد الميت مطلقاً ولو بحسب البقاء(1) إلاّ أنه غير صالح للمانعية ، وذلك لما عرفت من أنّا لم نعتمد على إجماعهم هذا في تقليد الميت الابتدائي فضلاًعن أن نستدل به على عدم جواز التقليد البقائي ، حيث إن جماً غفيراً ممن منعوا عن تقليد الميت ذهبوا إلى جواره .
إذن الصحيح فى تقليد الميت هو التفصيل بين الابتداء والبقاء فلا يجوز في الأول ويجوز في الثاني ، بل يجب في بعض الصور كما يأتي تفصيله إن شاء الله .
|