والكلام في ذلك يقع في مقامين :
أحدهما : في الدم غير الواجد للصفات الّذي فرض كونه ثلاثة أيّام وأ نّه يحكم بكونه حيضاً ولو بالحكم الظاهري أو أ نّه لا يحكم بكونه كذلك ؟
وثانيهما : فيما إذا رأت المبتدئة أو المضطربة أو الناسية دماً غير واجد للصفات، فهل يحكم بكونه حيضاً من الابتداء حكماً ظاهريّاً من دون أن يمضي عليه ثلاثة أيّام ، غاية الأمر أ نّه إذا لم يسـتمر ثلاثة أيّام ينكشف عدم كونه حيضاً ، فتقضي المرأة صلاتها الّتي تركتها في تلك المدّة ، أو لا يحكم بكونه حيضاً ؟
قاعدة الإمكان
هذه القاعدة وإن لم ترد في رواية بتلك الألفاظ والخصوصيّات إلاّ أ نّها قاعدة متصيّدة اصطادوها من الأخبار ولو بضم بعضها إلى بعض ، وادعوا عليها الإجماع .
والمراد بهذه القاعدة ليس هو الحكم بالحيضيّة بمجرّد إحتمال كون الدم حيضاً ولو من جهة الشبهة الحكمية ، كما إذا رأت المرأة الدم ثلاثة أيّام من غير استمرار وشككنا في أ نّه حيض من جهة الشك في أنّ الحيض يعتبر فيه رؤية الدم ثلاثة أيّام مستمرّاً أو يكفي فيه رؤيته ثلاثة أيّام ولو من غير استمرار ، كما هو محل الكلام على ما عرفته سابقاً ، فلا يمكن في مثله الحكم بالحيضـيّة بدعوى أ نّه ممّا يحتمل أن يكون حيضاً لعدم اعتبار الاستمرار واقعاً ، ومن ثمة لم نر من استدلّ بها على عدم اعتبار الاستمرار في تلك المسألة ، فإنّ في الشبهات الحكمية لا بدّ من الرّجوع إلى المطلقات الدالّة على وجوب الصّـلاة على كلّ مكلّف أو على جواز وطء الزّوجة في أيّ زمان شاء الزّوج ونحوهما من المطلقات ، لأ نّها وإن كانت قد خصّت بغير أيّام الحيض إلاّ أ نّه من التخصيص بالمنفصل والقاعدة في مثله إذا كان مجملاً مردداً بين الأقل والأكثر أن
ــ[193]ــ
نكتفي في تخصيص العموم وتقييد المطلق بالأقل المتيقن ، ويرجع في المقدار الأكثر المشكوك فيه إلى العموم والإطلاق ، كما هو الحال في غير المقام من موارد دوران المخصص المنفصل بين الأقل والأكثر ، ومقتضاها الحكم بعدم كون المرأة حائضاً في المثال لا الحكم بكونها حائضاً ، فلا تشمل القاعدة الشبهات الحكمية بوجه .
كما أ نّها لا تشمل الشبهات الموضوعيّة إذا إستند الشكّ فيها إلى الشكّ في تحقّق الشرط المعلوم الإشتراط في الحيض كالبلوغ ، كما إذا شككنا في أنّ الصبيّة كانت بالغة أو لم تكن ، ومن ثمة شـككنا في أنّ ما رأته بصفات الحيض حيض أو ليس بحيض لإشتراط البلوغ في الحكم بالحيض ، ومن هنا أوردوا على من قال بحيضيّة الدم حينئذ من جهة إستكشاف بلوغها برؤية الدم واجداً للصفات بأنّ من جملة شرائط الحيض البلوغ ، ومع الشكّ في البلوغ كيف يمكن الحكم بكون الدم حيضاً ، فلا يحكم عليه بالحيضيّة حينئذ نظراً إلى أ نّه ممّا يحتمل أن يكون حيضاً واقعاً لإحتمال أن تكون الصبية بالغة .
وكذا إذا كانت المرأة ذات عادة إلاّ أ نّها شكّت في كون الدم الّذي رأته حيضاً من جهة الشكّ في تقدّم الطّهر وتأخّره ، بأن رأت حيضاً وطهراً ثمّ رأت الدم ولم تدر أنّ المتأخّر المتصل بالدم هو الطّهر أو الحيض ، وعلى الثّاني لا يمكن الحكم بحيضيّة الدم لعدم تخلّل أقلّ الطّهر بينهما ، ومع الشكّ لا يمكننا الحكم بحيضيّة الدم ولو للمطلقات كما دلّ على أنّ الدم ثلاثة أيّام أو أربعة حيض فلتدع الصّلاة (1) وغيره من المطلقات (2) ، وذلك للعلم بتقييدها بما إذا تخلّل بينه وبين الحيضة السابقة أقلّ الطّهر فإذا شكّ في أنّ الدم المفروض من الأفراد الخارجة أو الباقية تحت العموم فلا مجال فيه للتمسك بالعام ، لأ نّه من الشبهات المصداقيّة وهو ظاهر ، فلا بدّ حينئذ من الرّجوع إلى الأصل اللفظي أو العملي الموجود في المقام .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 285 / أبواب الحيض ب 6 ح 2 .
(2) الوسائل 2 : 331 / ابواب الحيض ب 30 ح 4 .
ــ[194]ــ
وكذلك إذا كانت المرأة عمياء ولم يكن عندها من تستخبره الحال فلم تدر أنّ الدم واجد للصفات أو غير واجد له ، ولا يحكم بالحيضيّة إذا لم يكن واجداً للصفات ، لأنّ الصفرة في غير أيّام العادة ليست بحيض ، فلا يحكم في شيء من ذلك بالحيضيّة بمجرّد إحتمال كون الدم حيضاً .
فتختص القاعدة ـ كما لعله صريح كلام الشهيد (1) (قدس سره) ـ بما إذا علمنا بتحقّق جميع شرائط الحيض إلاّ أ نّا شككنا في حيضيّته من جهة عدم وجدانه للصفات ، ولا تجري في غيره ، فلا بدّ من النّظر إلى أدلّة تلك القاعدة ليظهر أ نّها كذلك حتّى يحكم بالحيضيّة في أمثال المقام أو أ نّها لم تثبت بدليل .
وتفصيل الكلام في المقام أنّ الشكّ في الشبهات الموضوعيّة إذا كان غير مستند إلى الشكّ في تحقّق الشرط المعلوم إشتراطه ، بل علمنا بإجتماع الشروط المعتبرة في الحيض وتحقّقها إلاّ أ نّا شككنا في حيضيّة الدم لأجل إحتمال كونه من القُرحة أو من العُذرة أو الإستحاضة ـ فإن الحيضيّة وإن كانت ملزومة للشروط إلاّ أنّ الشروط غير ملازمة للحيضيّة ، إذ قد تتحقّق الشروط فيكون الدم أكثر من ثلاثة أيّام مستمرة ومنقطعاً قبل العشرة ، وهكذا بقيّة الشروط قد تكون متحقّقة ولكنه لا يكون بحيض ، بل يكون دم قرحة أو عُذرة أو إستحاضة ـ فلا محالة يحكم عليه بالحيضيّة وإن لم يكن واجداً للصفات .
وذلك لأنّ الدم الواجد للشروط والفاقد للصفات إذا شكّ في حيضيّته فإمّا أن يستند ذلك إلى الشكّ في أ نّه خارج من الرّحم ليكون حيضاً أو خارج من القرحة لئلا يكون حيضاً ، لأ نّه إسم للدم الخارج من الرّحم ، وإمّا أن يستند إلى الشكّ في ا نّه يخرج من الرّحم أو أ نّه دم عُذرة ، وهذان قد تقدّم حكمهما من الإمتحان ونحوه مفصلاً ، ولا يقع الكلام فيهما في المقام .
وإمّا أن يستند إلى الشكّ في أ نّه حيض أو إستحاضة مع العلم بكونه خارجاً من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روض الجنان : 72 السطر 28 / المقصد الثّاني في الحيض .
|