ــ[337]ــ
[ 658 ] مسألة 7: لا يجوز أن يستأجر الجنب لكنس المسجد في حال جنابته(1) بل الإجـارة فاسـدة ولا يستحق اُجرة ، نعم لو استأجره مطلـقاً ، لكنّه كنس في حال جنابته وكان جاهلاً بأنه جنب أو ناسياً استحقّ الاُجرة ، بخلاف ما إذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالإضافة إلى الصبي والمجنون والجاهل ، لأن الدخول يصدر منهم على وجه حلال وليس حرمته ممّا اهتم به الشارع فلا دليل على حرمة التسبيب في مثله .
صور استئجار الجنب لكنس المسجد
(1) صور المسألة ثلاث :
الاُولى : ما إذا وقعت الإجارة على أمر مباح في نفسه ولكن مقدّمته كانت محرمة كما إذا استأجر الجنب لكنس المسجد حال جنابته ، فانّ الكنس مباح في نفسه إلاّ إن مقدّمته وهي دخوله المسجد محرمة ولا يحصل إلاّ به .
الثانية : ما إذا وقعت الإجارة على أمر جامع بين الفرد المتوقف على مقدّمة محرمة وفرد آخر غير متوقف على مقدّمة محرّمة ، كما إذا استأجر الجنب لكنس المسجد ساعة من غير تقييده بحالة الجنابة ، ومن الظاهر أن لكنسه فردين ، فانّ كنسه في حالة الجنابة لا محالة يتوقف على المقدّمة المحرّمة وأن كنسه في غير حالة الجنابة لا يتوقف على الحرام .
الثالثة : ما إذا وقعت الإجارة على أمر محرم في نفسه كما إذا استأجر الجنب للمكث في المسجد جنبا .
الاُولى من صور المسألة
أمّا الصورة الاُولى فان كان الأجير جاهلاً بجنابته وحرمة دخوله المسجد فلا إشكال في صحّة إجارته ، لأنها وقعت على أمر مباح في نفسه ، كما أن مقدّمته مباحة
ــ[338]ــ
ظاهراً لجهل الأجير بجنابته فتصح إجارته ويستحق بذلك الاُجرة . وأما إذا كان عالماً بجنابته وحرمة دخوله المسجد فلا ينبغي الإشكال في بطلان الإجارة ، لأنها وإن وقعت على أمر مباح إلاّ أنه غير متمكن من تسليمه للمستأجر لتوقفه على أمر محرم شرعاً ، ولا يجتمع النهي عنه مع الأمر باتيانه من جهة الإجارة فتفسد .
وذكر الماتن أن الأجير في هذه الصورة لا يستحق اُجرة . والظاهر أنه أراد بها الاُجرة المسمّـاة ، لأن الإجارة إذا بطلت لم يستحق الأجير اُجرة المسمى قطعاً لفساد الإجارة ، وأما اُجرة المثل فلا ، حيث إن العمل صدر بأمر من المستأجر فيضمن اُجرة مثله ، كما هو الحال في بقيّة موارد الإجارة الفاسدة .
الثانية من الصور
وأما الصورة الثانية فقد فصل فيها الماتن بين ما إذا كنس المسجد في حال جنابته وكان جاهلاً بأنه جنب أو ناسياً فيستحق الاُجرة ، لعين ما مرّ في الصورة الاُولى عند جهل الأجير بجنابته ، وبين ما إذا كنسه في حال الجنابة مع العلم بجنابته فحكم بعدم استحقاقه الاُجرة ، لأنها اُجرة على العمل المحرّم لحرمة مقدّمته ، ولا يجوز أخذ الاُجرة على العمل المحرّم . ولا يمكن المساعدة عليه ، لأن الأجير استحق الاُجرة بمجرد عقد الإجارة حيث وقعت على أمر جامع بين الفرد المحلل وغيره ، ولا إشكال في صحّة الإجارة عليه ، لأن الكنس بما هو أمر حلال ، والاُجرة إنما وقعت بازاء الحلال دون الحرام . فلا فرق في صحّة الإجارة حينئذ بين صورتي العلم بالجنابة والجهل بها وبها يستحق الاُجرة ، وعمله الخارجي أجنبي عن الإجارة كما هو ظاهر .
الثالثة من الصور
أمّا الصورة الثالثة أعني ما إذا وقعت الإجارة على أمر محرم في نفسه كما إذا استأجر الجنب للمكث في المسجد أو لوضع شيء فيه ، لما قدّمناه من أنه حرام في
ــ[339]ــ
نفسه أو استأجره للطواف أو لغير ذلك من المحرمات ، فهل يحكم ببطلان الإجارة حينئذ مطلقاً ، أو يحكم بصحّتها كذلك ، أو يفصل بين صورتي الجهل والعلم ؟ ذهب الماتن إلى بطلان الإجارة مطلقاً وحكم بعدم استحقاق الأجير الاُجرة لأنها من الاُجرة على الحرام هذا .
ولكن الصحيح أن يفصل بين صورتي العلم بالجنابة والجهل بها ، وذلك لأن المحرّم قد يلغي الشارع ماليته كما في التغني ونحوه من الأفعال المحرمة لما ورد من أن اُجرة المغنية سحت(1) . ففي مثل تلك المحرمات تقع الإجارة باطلة بلا فرق بين صورتي العلم والجهل بها ، وذلك لعدم ماليتها وملكيّتها . ويستكشف ذلك من ملاحظة ما إذا اضطر أو اُكره أحد على التغني ساعة مثلاً ، لأنه مع عدم حرمته حينئذ في حقّه لا يستحق أخذه الاُجرة على عمله ، وليس هذا إلاّ من جهة أن العمل مما لا مالية له فأخذه الاُجرة على مثله أمر غير جائز لا محالة .
ولا ينتقض علينا بافتضاض البكر بالأصابع أو بالإدخال وبالدخول على الثيب إكراهاً فانهما يوجبان ثبوت مهر المثل على المشهور وإن خالف الشيخ في ذلك ، لأنا لو قلنا بثبوت مهر المثل بذلك ـ مع الغض من دليله لأنه قابل للمناقشة ـ فهو أمر آخر ليس باُجرة للعمل بوجه ، وكم فرق بين اُجرة المثل لوطء امرأة والاستفادة منها ساعة وبين مهر مثلها ، لأنه مهرٌ مثل الزوجة الدائمية وإنما ثبت بالدليل ، وهذا لا يدلّ على عدم إلغاء الشارع مالية العمل .
واُخرى لا يلغي الشارع مالية المحرّم وإنما يمنع عن ارتكابه ، وفي مثله لا مانع من صحّة الإجارة إذا أمكنه تسليم العمل إلى المستأجر ، وذلك لأن الحرمة بما هي هي أعني الأمر الاعتباري غير منافية للملكيّة بوجه ، فإذا اُكره أحد على فعله كما إذا اُكره الجنب على قراءة سور العزائم مدّة معيّنة فلا مانع من أن يأخذ عليها الاُجرة مع
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 17 : 307 / أبواب ما يكتسب به ب 99 ح 17 . ويدلّ على ذلك أيضاً أكثر الروايات المذكورة في باب 15 .
ــ[340]ــ
كنس عالماً فانّه لا يستحق لكونه حراماً ((1)) ولا يجوز أخذ الاُجرة على العمل المحرّم ، وكذا الكلام في الحائض والنفساء . ولو كان الأجير جاهلاً أو كلاهما جاهلين في الصورة الاُولى أيضاً يستحق الاُجرة ، لأن متعلق الإجارة وهو الكنس لا يكون حراماً ، وإنّما الحرام الدخول والمكث ، فلا يكون من باب أخذ الاُجرة على المحرّم ، نعم لو استأجره على الدّخول أو المكث كانت الإجارة فاسدة ولا يستحق الاُجرة ولو كانا جاهلين ((2)) ، لأ نّهما محرّمان ولا يستحق الاُجرة على الحرام . ومن ذلك ظهر أ نّه لو استأجر الجنب أو الحائض أو النفساء للطواف المستحب كانت الإجارة فاسدة ولو مع الجهل ، وكذا لو استأجره لقراءة العزائم فإنّ المتعلق فيهما هو نفس الفعل المحرّم ، بخلاف الإجارة للكنس فإنّه ليس حراماً وإنّما المحرّم شيء آخر وهو الدخول والمكث ، فليس نفس المتعلق حراما .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمكنه من تسليم العمل إلى المستأجر . وبما أن المكلّف متمكن من تسليم العمل لجهله بجنابته وذكرنا أن الحرمة بما هي غير منافية لأخذ الاُجرة فلا مانع من الحكم بصحّة الإجارة واستحقاق الاُجرة المسماة حينئذ .
نعم المستأجر العالم بجنابة الأجير لا يمكنه أن يستأجره وإن كان الأجير جاهلاً بجنابته ، وذلك لما مرّ من أن الحرمة المطلقة تقتضي باطلاقها عدم الفرق بين إصدار العمل بالمباشرة وبين إصداره بالتسبيب لحرمته على الجميع ، إلاّ أن حرمة ذلك غير مستلزمة لبطلان الإجارة وعدم استحقاق الأجير الجاهل بجنابته الاُجرة المسمّـاة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهر استحقاقه الاُجرة ، فانّ الكنس بما هو ليس بحرام وإنما الحرام مقدّمته .
(2) لا تبعد الصحّة واستحقاق الاُجرة مع جهل الأجير ، فانّ الحرمة إذا لم تكن منجزة لا تنافي اعتبار الملكيّة ، والمفروض تحقق القدرة على التسليم من جهة الإباحة الظاهرية ، نعم لا يجوز الاستئجار تكليفاً للمستأجر العالم بالحال لأنه تسبيب إلى الحرام الواقعي ، ومن ذلك يظهر الحال في الاستئجار للطواف المستحب أو لقراءة العزائم .
ــ[341]ــ
[ 659 ] مسألة 8 : إذا كان جنباً وكان الماء في المسجد يجب عليه أن يتيمم ((1)) ويدخل المسجد لأخذ الماء (1) أو الاغتسال فيه ، ولا يبطل تيممه لوجدان هذا الماء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا بخلاف العالم بجنابته ، فان حرمة العمل وإن كانت بما هي غير منافية للملكيّة ولكن بما أنها مانعة عن تسليم العمل إلى المستأجر وموجبة لسلب القدرة عليه تقتضي بطلان الإجارة وعدم استحقاق الاُجرة على عمله ، لعدم إمكان الجمع بين الأمر بالوفاء بالإجارة وتسليم العمل إلى المستأجر وبين النهي عن تسليمه لحرمته . وهذا هو الوجه في بطلان الإجارة في المحرّمات دون قوله (صلّى الله عليه وآله) : إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه لعدم ثبوته(2) ، ولا رواية تحف العقول(3) لضعفها .
حكم دخول الجنب المسجد لأخذ الماء
(1) هذا كأنه للغفلة عمّا بنى (قدس سره) عليه في المسائل المتقدّمة من جواز دخول الجنب للمسجد لأخذ شيء ، فانه يجوز حينئذ أن يدخل الجنب المسجد لأخذ الماء من غير أن يمكث فيه ، نعم ناقشنا في ذلك سابقاً وقلنا إن حكمه بجواز دخول الجنب في المسجد للأخذ لا يلائم حكمه بحرمة الوضع في المسجد ولو من غير دخول لأنهما إمّا أن يلاحظا بأنفسهما فيحكم بجواز الأوّل وحرمة الثاني في نفسهما ، وحينئذ يتمّ حكمه بحرمة الوضع ولو من غير دخول ولا يتمّ حكمه بجواز دخول المسجد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقدّم منه (قدس سره) جواز دخول الجنب المسجد لأخذ شيء منه ، وعليه فلا مانع من دخوله لأخذ الماء بغير مكث بلا تيمم ، وأما على ما ذكرناه من عدم جواز ذلك أو فرض أن الأخذ يتوقف على المكث فالظاهر أنه لا يشرع التيمم لذلك ، بل هو من فاقد الماء فيجب عليه التيمم للصلاة .
(2) نعم ذكر الشيخ في الخلاف 3 : 185 / مسألة 310 من كتاب البيوع ما هذا نصّه : روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال : إنّ الله تعالى إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه .
(3) الوسائل 17 : 83 / أبواب ما يكتسب به ب 2 ح 1 ، تحف العقول : 331 .
ــ[342]ــ
إلاّ بعد الخروج أو بعد الاغتسال ، ولكن لا يباح بهذا التيمم إلاّ دخول المسجد واللّبث فيه بمقدار الحاجة ، فلا يجوز له مسّ كتابة القرآن ولا قراءة العزائم إلاّ إذا كانا واجبين فورا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للأخذ ، فان جواز الأخذ في نفسه لا يلازم جواز الدخول في المسجد . وإما أن يلاحظا باعتبار مقدّمتهما أعني الدخول فيجوز الأوّل ويحرم الثاني ، وحينئذ يتمّ حكمه بجواز الدخول فيه من جهة الأخذ ولا يتمّ حكمه بحرمة الوضع في نفسه ، إلاّ أنه أمر آخر .
هذا إذا كان التيمم لدخول المسجد وأخذ الماء فقط ، وأمّا إذا أراد أن يمكث فيه للاغتسال أو أراد الأخذ من المسجدين وقلنا بحرمته فيهما فهل يجب التيمم حينئذ مقدّمة لجواز الدخول في المسجد لأخذ الماء أو لا يجب ؟
ذكر الماتن (قدس سره) أنه يجب أن يتيمم حينئذ ولا يباح به إلاّ دخول المسجد واللبث فيه بمقدار الحاجة ، ولا يبطل تيممه إلاّ بعد الاغتسال في المسجد أو بعد الخروج منه للاغتسال في خارجه . والوجه فيما أفاده أن التيمم حينئذ إنما هو للاضطرار إلى الدخول في المسجد ، والضرورات تتقدّر بقدرها فلا يترتب على تيممه هذا غير إباحة الدخول ، وأما سائر الغايات فحيث لا اضطرار له إليها لا يترتب على تيممه .
ولا يمكن المساعدة على ما أفاده بوجه ، وذلك لأن التيمم إما أن تكون غايته الصلاة مع الطّهارة المائية ـ أي الغسل ـ بمعنى أنه مأمور بالاغتسال من جهة الأمر بالصلاة ولا يتحقق الغسل إلاّ بالتيمم وجواز الدخول في المسجد ، فالتيمم حينئذ مقدّمة لمقدّمة الواجب وإنما وجب لوجوب الصلاة مع الغسل ، فهذا أمر مسـتحيل لأنّ الغسل والصلاة مع الطّهارة المائية واجب مشروط بالتمكن من الماء ومع حرمة الدخول في المسجد لا قدرة له على الماء ، فان الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً ، ولأن النهي عن الدخول فيه معجز مولوي عن استعماله الماء ، وعليه يتوقف وجوب الغسل
ــ[343]ــ
أي وجوب الصلاة مع الطّهارة المائية على جواز دخوله المسجد فلو توقف جواز دخوله المسجد على وجوب الصلاة مع الغسل لدار ، فلا يمكن أن يسوغ التيمم بغاية وجوب الغسل ووجوب الصلاة مع الطّهارة المائية .
وإما أن تكون غايته نفس الكون في المسجد وهو أيضاً غير صحيح ، لعدم كونه غاية مشرعة للتيمم ، وإلاّ لم يجب عليه المبادرة إلى الخروج أي لم يحرم عليه المكث زائداً على مقدار الحاجة في المسجد كما التزم به (قدس سره) فانه محكوم بالطّهارة وله أن يبقى في المسجد ما شاء ، ولجاز أن يبادر إلى الدخول في المسجد مع التيمم في أوّل الوقت مع القطع بأنه بعد ساعة متمكن من الاغتسال ، إذ المفروض أن التيمم لغاية الكون في المسجد موجب للطّهارة ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به ، وعليه فالصحيح أنه فاقد للماء ووظيفته أن يتيمم لصلاته .
|